نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - القسم الأول الدنيا الغرارة!
بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ [١] بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالْآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ».
فالإمام عليه السلام يرى خداع الدنيا في حلوّ ظاهرها المحفوف بالشهوات، فهى محببة إلى النفوس كونها ماثلة للعيان ملموسة، وهذا هو المعنى المراد من العبارة
«تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ».
أمّا العبارة
«رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ»
، فهى إشارة إلى أنّ الدنيا قد زينت متاعها القليل بالشكل الذي جعلها تستقطب قلوب عبدة الدنيا المتكالبين على حطامها.
بينما أشارت العبارت
«تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ»
إلى زيف هذه الزينة التي تحلّت بها الدنيا، حيث تفتقر إلى الواقع، بل زينت مظهرها بالآمال والخيالات الفارغة الزائفة، وهذا هو المعنى الذي أكدته العبارة
«تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ»
، فرصيدها الرئيسي الذي يشكل عنصر التزيين إنّما هو الغرور الخداع، ولعل الوقوف على عمق هذا المعنى يتجسد من خلال النظر من بعيد إلى قصور الملوك وسلتطهم الظاهرية المرعبة، وسعة حجم أموالهم وثرواتهم، وأبهة وجلال مراكبهم وملابسهم النفيسة الفاخرة وسائر الوسائل والأدوات التي يعتمدونها في حياتهم ومعيشتهم التي تخطف الأبصار وتسحر القلوب، بينما الاقتراب منهم والغوص في واقع حياتهم لا يرى سوى البؤس والشقاء وسبل المصاعب والمشاكل التي تلف حياتهم ومدى القلق والاضطراب الذي يسودهم من جراء المؤامرات والدسائس التي يخطط لها أعداؤهم إلى جانب الحسد والطمع الذي تكنّه لهم بطانتهم وقرابتهم.
والواقع هو أنّ هذه العبارات إقتباس ممّا صرحت به بعض الآيات القرآنية، فقد جاء في القرآن الكريم بشأن الحياة الدنيا:
«وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ...» [٢].
وجاء في موضع آخر: «إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ...» [٣].
كما جاء أيضاً: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ...» [٤]
[١] «راقت»: من مادة «ورق» على وزن ذوق بمعنى المسرة والإعجاب.
[٢] سورة آل عمران/ ١٨٥؛ الحديد/ ٢٠.
[٣] سورة الإنسان/ ٢٧.
[٤] سورة آل عمران/ ١٤.