نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - القسم الثالث العبر والاعتبار
فَيْئَهَا، لَا جَاءٍ يُرَدُّ، وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ».
نعم، عابرة جدّاً لحظات الفرح والسرور وهى أشبه بلحظات الإرتواء من النعم وزوال الفيىء والظل.
يمكن أن تكون العبارة
«لا جاء يرد ولا ماض يرتد»
ارة إلى الناس حيث تأتي طائفة لا يقدر أحد على صدها، كما تنتقل طائفة من هذا العالم وليس لأحد من قدرة على إعادتها، كما يمكن أن تكون إشارة إلى حوادث الدهر شرّها وخيرها والتي لا يسع أحد الحيلولة دون وقوعها إن أبرمت وأصبحت قطعية حتمية، كما لا يمكن عودة ما تولى من أمور ودهور، فلا عودة للطفولة في الشباب ولا الشباب في المشيب.
ثمّ إختتم عليه السلام هذا المقطع من الخطبة بهذه العبارة التي تكمل سابقتها من العبارات قائلًا:
«فَسُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيّتَ مِنَ الْحَيّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ!».
نعم، فالفاصلة بين الموت والحياة قصيرة جدّاً حتى صورتها الروايات بأنّها تكاد تكون كطرفة العين، ومن ما ورد في الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«وَالّذِي نَفسُ مُحِمِّدٍ بِيَدِهِ مَا طَرَفْتْ عَينَاي إلّاظَنَنتُ أَنَّ سَفَرِي لا يَلْتَقِيانِ حَتّى يَقْبِضَ اللَّهُ رُوحِي وَلا رَفَعْتُ طَرفِي وظَنَنْتُ أَنِّي حافِضُهُ حَتّى اقبَضَ وَلا تَلَقَّنُ لُقْمَةً إلّاظَنَنْتُ أَنِّي لا اسِيغُها حَتّى اعَضَّ بِها مِنَ المَوتِ» [١].
إنّ من له أدنى إلمام ببنية جسم الإنسان ليعلم بمدى قرب هذه الفاصلة، فيكفي تخثر مقدار قليل من الدم ليغلق منافذ شرايين الفاصلة أوالدماغ فيؤدّي بحياة الإنسان، بل يكفي نفوذ جزء يسير من الطعام إلى لسان المزمار بدلًا من إتجاهه إلى المعدة ليختنق الإنسان ويموت من فوره، كما تكفي صدمة طبيعية لهذا الإنسان قد توقف قلبه عن الدق وإلى الأبد.
أمّا بالنسبة للحوادث الخارجية فبمجرّد اهتزاز الأرض للحظة قد تنقلب مدينة رأساً على عقب، كما قد تأتي عاصفة أو سيل على كل شيء فتحيله خراباً لا حركة فيه ولا حياة، بل لصاعقة من السماء أن تحيل كل شيء إلى رماد.
[١] بحار الانوار ٧/ ١٦٦.