نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤ - القسم الثالث العبر والاعتبار
الاخرى مع التطرق إلى بعض التفاصيل الدقيقة لكل واحدة منها، فأشارت في البداية إلى خاصية فناء الدنيا، حيث صورت بعض علامات هذا الفناء في أنّ الدهر يشبه الرامي الماهر الذي يطلق سهامه دون أن تطيش وتخطىء الهدف، كما يتعذر علاج جروح من أصابته تلك السهام:
«فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ، لَا تُخْطِيءُ سِهَامُهُ، وَلَا تُؤْسَى [١] جِرَاحُهُ».
فلا خلاص لأحد من الموت والعجز والمشيب والمرض والألم والعناء، ولذلك قال الإمام عليه السلام في شرحه لهذه العبارة:
«يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحَ بِالسَّقْمِ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ».
فأقوى أفراد البشر يستسلم يوماً للموت، كما يمرض أصح الأصحاء ويهزم حتى الأبطال.
نعم، هذه طبيعة الحياة الدنيا، وهذا هو القانون الذي لا يعرف لاستثناء، والغريب في الأمر أنّ الجميع يعرف ذلك ويرونه بأعينهم ورغم كل ذلك فهم يتعلّقون بالدنيا ويخلدون إليها ويغترّون بها.
ثم يختتم عليه السلام كلامه بشأن توضيح فناء الدنيا قائلًا:
«آكِلٌ لَا يَشْبَعُ، وَشَارِبٌ لَا يَنْقَعُ [٢]».
فقد كشف الإمام عليه السلام حقيقة فناء الدنيا من خلال العبارات الثمان التي أوردها في وصف الدنيا، بحيث لا يشك من كان له أدنى عقل بفناء الدنيا وعدم دوامها.
ثم خاض عليه السلام في شرح وتفسير عناء الدنيا ومن ذلك جمعه الأموال التي لا يستفيدها جميعاً والمباني التي يشيّدها دون أن يسكنها وأخيراً يودع كل ذلك وينتقل إلى عالم آخر دون أن يحمل معه شيئاً من الأموال أو الدور:
«وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَالا يَسْكُنُ. ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا مَالًا حَمَلَ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ».
نعم، كثيرون هم الأفراد الذين يدّخرون أمولًا طائلة، إلّاأنّهم لا يستفيدون إلّامن جزء يسير منها وما أكثر اولئك الذين يبنون لأنفسهم أعظم القصور والدور فلا يقيمون فيها إلّا مدّة قليلة، بل قد لا يسكنونها حتى ليوم واحد، وقد رأينا بأم أعيننا إقامة مراسم العزاء على أرواحهم في تلك القصور الفخمة، فهم يتركونها في خاتمة المطاف ولا يحملون من مال الدنيا
[١] «توسي»: من مادة «اسو» بمعنى علاج الجرح.
[٢] «ينقع»: من مادة «نقع» على وزن نفع بمعنى إرواء وارتواء.