نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - القسم الثاني أعظم الفضائل
وما اقتصه من خبر يوسف عليه السلام حين لاذ بالتقوى كسبيل للنجاة حين وقف على حافة خطر هاوية الذنب:
«قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ...» [١].
حقاً إنّ التقوى كهف حصين وأمين وراسخ إزاء السيول الجارفة لأهواء النفس ووساوس الشيطان وحصن حصين للنجاة من نار جهنّم يوم القيامة وأفضل زاد ومتاع في هذا السفر المليء بالخوف والخطر.
ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن أهميّة التقوى في أنّ من دعا إليها أسمع داع نافذ الكلمة (إشارة اللَّه تبارك وتعالى، أو النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، أو جميع الأنبياء والأولياء) وقد وعى تلك الدعوة خير واع (إشارة إلى كافة التقاة وأتباع مدارس الأنبياء):
«دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ. فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَفَازَ وَاعِيهَا».
ذهب البعض إلى أنّ المراد بالداع إلى التقوى قد يكون اللَّه سبحانه وتعالى أو شخص النبي صلى الله عليه و آله الذي ينطق عن اللَّه تعالى، والمقصود بواع التقوى هو علي عليه السلام، ولا يبعد أن يكون لهما مفهوم عام يشمل جميع دعاة الحق ووعاته، على أنّ المنبع الأصلي هو الحق تبارك وتعالى والنبي صلى الله عليه و آله وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ثم خاض عليه السلام في الآثار القيّمة للتقوى في خاصة عباد اللَّه فقال:
«عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ [٢] أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ. وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ [٣]».
طبعاً العبارتان المذكورتان بشأن الليل والنهار هما تعبيران كنائيان لطيفان، حيث المراد أصحاب الليل الذين يفيقون في جوف الليل، فيقومون للعبادة والتهجد وقد أحجموا عن النوم وانهمكوا بالدعاء والمناجاة، إلى جانب صومهم نهارهم وذكرهم اللَّه على كل حال، فالعبارة تشير إلى أنّ تقوى اللَّه هى مادة الحركة نحو جميع الفضائل والخيرات، وذلك لأنّ الإنسان حين يشعر بالمسؤولية ينطلق في الحركة نحو إمتثال الطاعات واجتناب المعاصي
[١] سورة يوسف/ ٢٣.
[٢] «حمت»: من مادة «حماية» بمعنى المنع، ولذلك يقال الحامي للذي يمنع عن الآخرين الخصوم والأعداء.
[٣] «هواجر»: جمع «هاجرة» وسط النهار في الجو الحار.