نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧ - القسم الأول الثقة القيّمة
إشارة إلى خلاص الإنسان من وساوس النفس إذا ما مزج حمد اللَّه تعالى والثناء عليه بشكر النعم، وخرج سالماً معافى من ميدان الامتحان وتغلّب على هواه ونزع عن ذنوبه وتاب من معاصيه آنذاك له أن يبلغ كمال الإيمان، الإيمان الذي يبلغ به درجة الشهود، وكأنّه يرى اللَّه ببصيرته ويشاهد بام عينيه الجنّه والنار وثواب المحسنين وعقاب المسيئين، الإيمان المنزّه عن كافة أشكال الشرك واليقين الذي لا يتطرق إليه الشك.
نعم، فاليقين على مراتب: المرتبة الاولى وهى مرحلة التي يتّجه إليها الإنسان بواسطة البرهان والاستدلال والتي يصطلح عليها باسم «علم اليقين»، والمرتبة الثانية وهى المرحلة التي يصلها الإنسان عن طريق الشهود وكأنّه يرى من بعيد الأنوار الإلهيّة وعرصة الحشر يوم الحساب، وهى المرحلة المسمّاة «عين اليقين» يلمس جميع الأشياء، فالأنوار الإلهيّة تحيطه من كل جانب ونسيم الجنّة المنعش يداعب ظلال روحه ويتكدر لنيران جهنّم المحرقة، وهى المرحلة التي تدعى «حق اليقين»، وعلى هذا فالمراد بالعبارة عاين ووقف هو تلك المرحلة النهائية للإيمان واليقين والتي تبلغ فيها الإنسان مقام الشهود عن قرب وبالمعاينة.
وأخيراً يتّجه الإمام عليه السلام صوب الشهادة بالتوحيد والنبوة ليختتم به هذا المقطع من الخطبة، فقال:
«وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ. لَا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلَا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ».
في إشارة إلى أنّ الشهادة بالوحدانية والنبوة إن انطلقت من أعماق النفس البشرية وظهرت أثارها على القول والعمل، فانّها على درجة من الطهر الاخلاص بحيث تشكل أثقل الأوزان في ميزان الأعمال يوم القيامة حتى لا يخف ذلك الميزان بوجودها، والعكس صحيح لا ثقل لذلك الميزان مهما وضع فيه دونها.
ورد في الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«أوحى اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى إِلى مُوسى بنِ عِمرانَ عليه السلام: يا موسى لَو أنّ السمواتِ وَعَامِريهِنَّ عِندِي، والأَرضِينَ السَّبعَ فِي كَفَّةِ وَلا إِلهَ إلّااللَّهُ فُي كَفَّةٍ، مالَتْ بِهِنَّ لاإِلهَ إلّااللَّهُ» [١].
[١] ثواب الأعمال، (حيث نقل شرح نهج البلاغة، للعلّامة الخوئي ٨/ ٥٧) وهذا هو الحديث الأول الذي ورد في كتاب ثواب الأعمال.