نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - القسم الأول الثقة القيّمة
طبعاً يمكن أن تكون هناك عدّة تفاسير أخرى للعبارتين المذكورتين من حيث تفاوت العلّة والمعلول، غير أنّ ما ورد هو أنسبها جميعاً.
ثم قال عليه السلام في المسألة الثانية:
«نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ».
في إشارة إلى أنّ البلاء الإلهي هو في الواقع نوع من النعم، كما بيّنا ذلك في بحثنا لفلسفة الآفات والبلاء ضمن مباحث التوحيد والعدل، فقد يكون البلاء سبباً لليقظة والعودة إلى اللَّه تعالى وترك المعاصي أحياناً، وقد يكون أحياناً أخرى بلاءاً ظاهراً، لكنّه نعمة باطنياً، غير أننا لا نميز ذلك، فربّما يكون البلاء كفّارة للذنوب كما قد يكون وسيلة لمعرفة قدر النعم وذلك لأنّ الإنسان قد لا يعرف قيمة النعم إلّاأن يفقدها ويتعرض إلى بعض الشدائد، وإلّا فالحكيم تبارك وتعالى لا يعرّض شخصاً للبلاء عبثاً، وعليه فبلاؤه رحمة وداؤه دواء.
ثم قال في المسألة الثالثة:
«وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هذِهِ النُّفوسِ الْبِطَاءِ [١] عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ، السِّرَاعِ
إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ».
إشارة إلى النفوس البشرية ما لم تبلغ المرحلة المتكاملة للنفس المطمئنة فهى ضعيفة في الإتيان بالوظائف الشرعية وإمتثال الأوامر الإلهيّة ومسارعة في مقارفة الذنوب التي تنسجم والغرائز الحيوانية، ويتعذر تجاوز مرحلة النفس الأمارة وبلوغ مرحلة النفس اللوامة والوصول إلى النفس المطمئنة ما لم تكن هناك نصرة اللَّه ومدده.
ثم قال عليه السلام:
«وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ: عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ».
فالعبارة تشير إلى أننا إن لم نستغفر من الذنوب ولم نجل صدأ القلوب فسوف لن يسعنا التخلص من وساوس النفس والفوز بمقام القرب وبلوغ تلك المرحلة من الإيمان التي سيأتي الحديث عنها لاحقاً، والواقع هو أنّ الاستغفار تكميل للبحث السابق ومقدمة للبحث القادم.
أمّا القضية الأخيرة فقد تناولت النتائج النهائية لهذا البحث فقال:
«وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ، إِيمَاناً نَفَى إِخْلاصُهُ الشِّرْكَ، وَيَقِينُهُ الشَّكَّ».
[١] «بطاء»: جمع «بطيئة» ضد السريعة.