نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - القسم الثالث معرفتي بعد موتي
الْأَرْضِ مَخَطُّهَا [١]».
فتاريخ البشر وتجاربنا اليومية تكشف هذه الحقيقة في أنّ الحياة كظلال الأشجار والقدرات كظلال الغيوم تمرّ بشرعة وتزول آثارها إلى الأبد، لكن العجيب عدم التفات الإنسان رغم رؤيته لكل هذه الأمور وكأنّه غير مشمول بهذا القانون.
ثم بيّن هذا المعلم الرباني إثر ذلك وبالنظر إلى علمه بمفارقة الدنيا عاجلًا بعض الدروس والعبر التي يمكن للآخرين الاستفادة منها والتي من شأنها إيقاظهم من غفلتهم فقال:
«وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً [٢] سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ [٣]، وَصَامِتَةً
بَعْدَ نُطْقٍ».
ثم استنتج مباشرة:
«لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي [٤]، وَخُفُوتُ [٥] إِطْرَاقِي [٦]، وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ
أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ».
حقّاً أنّ الأمر كذلك فالمتحكمون مهما كانوا فصحاء وبلغاء، والسامعون مهما كانوا صاغين ولكن هناك فارق كبير بين النظر والسماع، فيا لها من عبرة أنترى ذلك الرجل الشجاع الذي ذاع صيته في الأرجاء وهو الآن طريح الفراش جثة هامدة لا يقوى حتى على تحريك جفن عينيه، كما لا تقوى شفتاه على الحركة وهذا ما ينطوي على أعظم درس وعبرة حيث يشاهد الإنسان بعينه أفول القوة والقدره فيغرق في هالة من التفكير، وهل لواعظ القدرة على إبراز هذا التأثير؟
وأخيراً إختتم الوصيّة بتوديع الناس، ذلك الوداع الأليهم فقال:
«وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِىً مُرْصِدٍ [٧] لِلتَّلَاقِي! غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ
مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي».
نعم، فحين رجل مظهر العدل ذلك الزعيم الشفيق والرؤوف، وحين غادر الناس تلك
[١] «مخط»: من مادة «خط» بمعنى محل الخطوط.
[٢] «خلاء»: بمعنى خالية.
[٣] «حراك»: وحركة لها معنى واحد.
[٤] «هدو»: على وزن غلو بمعنى السكون وعدم القدرة على الحركة.
[٥] «خفوت»: بمعنى السكون والتوقف عن الحركة.
[٦] «اطراق»: خفض العين لضعف الأجفان.
[٧] «مرصد»: من مادة «ارصاد» بمعنى الاستعداد والانتظار.