نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - القسم الأول إستحالة الهروب من الموت
ثم قال عليه السلام:
«كَمْ أَطْرَدْتُ [١] الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذَا الْأَمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ.
هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْزُونٌ!».
سؤال
هنا يبرز هذا السؤال وهو: كيف قال الإمام بأنّ اللَّه وحده العالم بالآجل ولا يعلمه أحد [٢]، بينما تظافرت الأخبار التي وردت عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه كان يعلم بزمان وفاته، وكان يعرف قاتله، كما يخبر ولده على الدوام في ليلة شهادته، بل أشار بعبارات مختلفة إلى زمان شهادته حتى خلال شهر رمضان الذي استشهد فيه، وقد ورد في الكافي أنّ الطيور في بيت الإمام عليه السلام كانت على علم بشهادته؟
جواب
يعتقد البعض بالاستناد إلى بعض الروايات [٣]، أنّ حالات المعصومين عليهم السلام وأولياء اللَّه تعالى مختلفة، فأحياناً يعلمون كل شيء بإرادة اللَّه تعالى، وأحياناً أخرى تخفى عليهم بعض المسائل بإرادة اللَّه تعالى حتى اللحظات يمكن أن تكون متفاوتة، فقد شم نبي اللَّه يعقوب رائحة قميص يوسف من مساحة بعيدة (مصر) بينما لم يراه في بئر كنعان، وهناك احتمال أخر ما ذكره الإمام عليه السلام قانوناً كلياً حول الأجل وخاتمة حياة جميع الأفراد، إلّاأنّ هذا القانون الكلي كسائر القوانين الكلية له استثناءات، فما المانع أن يعلم أولياء اللَّه وباذن اللَّه وتعليمه بلحظة موتهم.
وهناك نقطة أخرى هى: إنّ علوم المعصومين عليهم السلام بالنسبة لمسائل المستقبل على أساس لوح المحو والإثبات وهو قابل للتغيير، أو ما يصلح عليه بالعلم بالمقتضيات، لا العلم بالعلة التامة التي تأبى التغيير، لأنّ ذلك القسم الذي يسمى باللوح المحفوظ مختص باللَّه تبارك وتعالى، مثلًا جاء في قصة السيد المسيح عليه السلام أنّه أخبر عن موت عروس في ليلة زفافها، بينما لم يقع ذلك، وذلك لأنّها تصدقت وحالت الصدقة دون وقوع تلك المصيبة.
وسنتناول شرح هذا الموضوع في محله إن شاء اللَّه.
[١] «اطردت»: من مادة «طرد» بمعنى الاخراج، واطردت الأيّام طويتها واحداً بعد الآخر.
[٢] اصول الكافي، ج ١ باب «أنّ الأئمة يعلمون متى يموتون» الحديث ٤.
[٣] المصدر السابق.