نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٤ - القسم الثاني
والمحبّة بين الأصدقاء ويزيل الأحقاد، كما يوطد العلاقات العاطفية والاجتماعية وقد أولى الإسلام هذه المسألة الإنسانية والأخلاقية أهميّة قصوى حتى ورد في الخبر أنّ الإمام الصادق عليه السلام سأل أحد أصحابه:
«أَتُحِبُّ إِخوانَكَ يا حُسَين؟ قُلتُ: نَعم، قَالَ: تَنفَعُ فُقَرائَهُم؟
قُلتُ: نَعم، قَالَ: إِنَّهُ يَحُقُّ عَلَيكَ أَنْ تُحِبَّ مَنْ يُحِبُّ اللَّهَ، أَمَا وَاللَّهِ لاتَنْفَعُ مِنهُم حَتّى تُحِبَّهُ، أَتَدعُوهُم إِلى مَنزِلِكَ؟ قُلتُ: نَعم، مَا أَكُلُ إِلّا وَمَعِي مِنْهُم الرَّجُلانِ والثَّلاثَة وَالأقَلُّ وَالأَكثَرُ، فَقالَ أَبُوعَبدِاللَّهِ عليه السلام: أَمَ إنَّ فَضْلَهُم عَلَيكَ أَعظَمُ مِنْ فَضلِكَ عَلَيهِم، فَقُلتُ: فِداكَ أَطعِمُهُم طَعامِي وَأَوطِئُهم رَحلِي وَيَكُونُ عَلَيَّ فَضْلَهُم عَلَيَّ أَعظَمُ؟ قَالَ: نَعم، إِنَّهُم إِذا دَخَلُوا مَنزِلَكَ دَخَلُوا بِمَغفِرَتِكَ وَمَغفِرَةِ عِيالِكَ، وإِذا خَرَجُوا مِنْ مَنزِلِكَ خَرَجوا بِذُنُوبِكَ وَذُنُوبِ عِيالِكَ» [١].
ولمّا كان دفع الحقوق الواجبة والمستحبة وتعويض الخسائر شاقاً على النفس فقد أكد الإمام عليه السلام على الصبر والتحمل فقال:
«وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ [٢]، ابْتِغَاءَ
الثَّوَابِ».
وبناءاً على هذا فالتعبير بالحقوق يشمل الواجبة والمستحبة، والنوائب جمع نائبة والحادثة الأليمة، وتشير هنا إلى جميع الأمور التي تتضمن الخسارة المالية، سواء كان من جانب ظلم الظلمة وحكّام الجور، أو الحوادث غير المتوقعة التي تصيب الإنسان طيلة حياته.
والعبارة
«ابتغاء الثواب»
إشارة إلى أنّ الصبر تجاه كل هذا البذل وصرفه في الموارد المذكورة لابدّ أن يكون للَّهتعالى ليحصل الأجر والثواب.
وإختتم كلامه بالإشارة إلى الآثار العظيمة لهذا البذل فقال عليه السلام:
«فَإِنَّ فَوْزاً بِهذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»
، فالحقّ أنّ البذل في الموارد الستة المذكورة يؤدّي إلى حسن سمعة الإنسان في المجتمع، كما يوجب فوزه في الحياة الآخرة، وأفضل شاهد على ذلك ما روي عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال:
«مَنْ جَادَ سَادَ» [٣]
، وقد أصبحت هذه
[١] المصدر السابق ٢/ ٤٠١، ح ٨.
[٢] «النوائب»: جمع «النائبة» تعني الحوادث الأليمة التي تصيب الإنسان، ولكن فسّرها بعض أرباب اللغةبمطلق الحوادث سواء المطلوبة منها أو غير مطلوبة.
[٣] كشف الغمة ٢/ ٢٤٢.