نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٠ - الغيبة والبحث عن العيوب آفة المجتمعات الإنسانية
٢- إنّ أهم أرصدة المجتمع وسنده الأصل والذي من شأنه توحيد الأفراد ويدفعهم باتّجاه الأهداف النبيلة هو الثقة المتبادلة وممّا لا يشك فيه أنّ أولى النتائج السيئة للغيبة تتمثل بالقضاء على هذا السند، وذلك لأنّ كل فرد في الغالب ينطوي على عيب أو عيوب فانّ بقيت خفية لن تنعكس سلباً على الآخرين ويبقى التفاؤل ثقة الأفراد بعضهم بالبعض الآخر قائمة، أمّا كشف هذه العيوب عن طريق تحريها والبحث عنها وممارسة الغيبة وذم كل فرد آخر إنّما يحيل المجتمع إلى جهنم محرقة بحيث يسيىء كل فرد الظن بالآخر وينفر منه، بالنتيجة تزعزع النظام العام للمجتمع وتعرّضه للقلق والاضطراب.
وبعبارة أخرى كما يتهدد الأمن العام للمجتمع بفعل نهب الأموال وسفك دماء الأبرياء، فانّ سلب ماء الوجه وسرقته من الآخرين عن عن طريق الغيبة إنّما يشيع تلك الفوضى ويقضي على الأمن، وذلك لأنّه كما ورد في الرواية المذكورة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فانّ التعرض لحيثيات الآخرين بمثابة التعرض لأنفسهم وأموالهم، لا يمكن كتمان الغيبة عادة وتفشي على صاحبها فتشتعل فيهم نيران الحقد والكراهية، الحقد الذي يمهد السبيل أمام سفك الدماء وعظام المشاكل، والغيبة أحد أسباب إشاعة الفحشاء وعامل مهم من عوامل سوء الظن، إلى جانب كونها تجعل الآثم جريئاً في ذنوبه، لأنّ المذنب الآثم يراعي عادة جانب الاحتياط إن بقيت معصيته خفية مستورة، فان هتكت زال حجاب الحياء والخجل.
٣- الغيبة حق الناس، والمسألة المهمّة بشأن الغيبة أنّها ليست معصية بين الإنسان وربّه تبارك وتعالى يمكن غسلها بماء الندم فتحصل التوبة، بل كما لا يمكن تلافي الخسائر الناجمة عن سفك الماء وغصب الأموال دون القصاص أو الدية ودفع التعويضات المالية، فانّه لا يمكن غفران إزالة ماء وجه الآخرين دون تعويض، سيّما إن توفي من أغتيب ولم يكن هناك من سبيل لمن إغتابه للوصول إليه ولم يبق أمامه سوى الحساب والقيامة، يعني حين لا يكون هنالك من سبيل للتعويض سوى إضافة حسناته إلى ذلك الفرد أو تقبل سيئاته، وهذه بحدّ ذاته مصيبة كبرى.