نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - تحذير من الحوادث المستقبلية
آيات من القرآن الكريم بشأن تصدّقه بالخاتم حين الركوع في الصلاة [١]، وتصدقه بالطعام على المسكين واليتيم والأسير [٢]، وتصدقه بدرهم في السر وآخر في العلانية، ودرهم في الليل وآخر في النهار [٣].
ثم قال بالاستناد إلى إذعان الجميع بالفضل فيما ذكر:
«فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِي»
، لا تتعجلوا الأمور بانتخاب عثمان، فهذا عمل خطير له عواقب وخيمة على المسلمين، وتطرق عليه السلام إلى المصير الصعب الذي سيفرزه هذا الانتخاب فقال:
«عَسَى أَنْ تَرَوْا هذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى [٤] فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ
الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ».
هناك خلاف بين شرّاح نهج البلاغة في أنّ هذا الإخبار إشارة لحادثة قتل عثمان وشهر السيوف ونقض البيعة من قبل بعض الأفراد كطلحة والزبير وأمثالهما أم إشارة إلى تمرد الناكثين والقاسطين والمارقين (أصحاب الجمل وصفين والنهروان)، ولكن بالنظر إلى الظروف التي وردت فيها هذه الخطبة (حين تشكيل الشورى لانتخاب الخليفة الثالث)، يبدو المعنى الأول أقوى، وكما تكهن الإمام عليه السلام فبمجرّد تسلم عثمان زمام الأمور حتى بدأ التبذير والبذخ في بيت مال المسلمين وحصل أقرباؤه وبطانته على المراكز الحساسة في البلد الإسلامي فتهافتوا على بيت المال ليفعلوا فيه ما شاؤوا، وهو الأمر الذي أثار غضب المسلمين فثاروا عليه وكان في مقدمة من ثار عليه طلحة والزبير، وقد تبعهم طائفة من الناس فحصل ما لم ينبغي أن يحصل، والحال لو لم تسود الشورى تلك العصبيات والملاحظات الشخصية وفوضت الخلافة لأهلها، لما وقعت تلك الحوادث المريرة ولا ما تبعها من نتائج، وذلك لأنّ جذور فتنة الناكثين والقاسطين والمارقين إنّما ترعرعت في ظلّ حوادث عصر عثمان.
[١] سورة المائدة/ ٥٥.
[٢] سورة الدهر/ ٨.
[٣] سورة البقرة/ ٢٧٤.
[٤] «تنتضي»: من مادة «نضو» و «نضي» على وزن نظم بمعنى سل السيف، أوالخروج من البيت وشحوباللون وما شباه ذلك، والمراد بها في العبارة المعنى الأول.