نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٤ - القاتل يطالب بالثأر
تكشف مدى شوق الناس للبيعة، وفي ذات الوقت مدى زهد الإمام عليه السلام بها.
ثم إتّجه إلى الحق تبارك وتعالى فشكى إلى اللَّه الظلمة الذين نقضوا العهد وجعلوا من إراقة دماء الأبرياء وسيلة لتحقيق أطماعهم وأغراضهم، ثم أخذ بالدعاء عليهم ولعنهم:
«اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي، وَنَكَثَا بَيْعَتِي، وَأَلَّبَا [١] النَّاسَ عَلَيَّ».
ثم قال:
«فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيَما أَمَّلَا وَعَمِلَا»،
والتفت إلى الناس قائلًا:
«وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا [٢] قَبْلَ الْقِتَالِ، وَاسْتَأْنَيْتُ [٣] بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ [٤]،
فَغَمَطَا [٥] النِّعْمَةَ، وَرَدَّا الْعَافِيَةَ»
، لعل العبارة الأخيرة مواصلة شكوى الإمام عليه السلام للَّهسبحانه، ويمكن أن تكون خطاباً للناس،، يبدو المعنى الثاني أنسب، على كل حال فانّ هذه العبارات تبيّن مدى سعي الإمام عليه السلام لاجتناب الحرب وسفك الدماء وقد بذل قصارى جهده لوعظ أصحاب الجمل ومثيري الفتن علّهم يعودون إلى رشدهم وتثار حميتهم الدينية، فيعودا عن سبيل الغي، إلّاأنّ حبّ الخلافة والجاه والمقام قد أعمى أبصارهم وأصم أسماعهم بحيث لم يعد لنصائح الإمام عليه السلام ومواعظه من تأثير عليهم، بالتالي حلّت عليهم لعنة الإمام عليه السلام ففشلوا في تحقيق أهدافهم، فانهزموا شرّ هزيمة وقتلوا بذلة وهوان.
القاتل يطالب بالثأر
لا شك أنّ طلحة والزبير كانا ممن أثارا الناس ضد عثمان، فقد أورد ابن قتيبة في كتابه «السياسة والإمامة» أنّ أهل الكوفة ومصر حين قاما ضد عثمان وحاصروه في داره كان
[١] «ألبا»: من مادة «تأليب» بمعنى الافساد وإثارة الناس.
[٢] «استثبت»: من مادة «ثوب» على وزن صوم بمعنى رجوع الرميض إلى العافية ومفهوم العبارة أني أردت منطلحة والزبير الرجوع عن انحرافهما.
[٣] «استأنيت»: من مادة «أناة» على وزن قناة بمعنى الصبر والانتظار ومفهوم الجملة أنّي كنت أنتظر تأثير اقتراحي عليهما فيعودا إلى رشدهما ويسلكا سبيل العافية والسلامة، لكن من المؤسف ...
[٤] «وقاع»: بمعنى الحرب وتستعمل هذه المفردة أحياناً بمعنى المصدر وأخرى الجمع «وقيعة».
[٥] «غمطا»: من مادة «غمط» على وزن غصب بمعنى استصغار الشيء وكفران النعمة والعبارة المذكورة إشارةإلى أنّ طلحة والزبير استخفا بما منحتهم من فرصة وكفرا بالنعمة.