نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - القسم الأول الحاقدون الظالمون
فالحديث يشير إلى الحادثة المعروفة لأصحاب الجمل حين قدموا من المدينة إلى البصرة، فلمّا بلغوا الحوأب نبحت عائشة كلابها، فتذكرت حديث النبي صلى الله عليه و آله فقالت: إرجعوني إلى المدينة، لكن الساسة المحترفين جندوا أهل تلك المنطقة ليشهدوا بأنّ تلك المنطقة ليست الحوأب [١].
وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ومتقى الهندي في كنز العمال أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام:
«يَا عَلَيُّ ستُقاتِلُ الفِئَةِ البَاغِيةِ وَأَنتَ عَلَى الحَقِّ فَمَن لَم يَنصُركَ يَومَئذٍ فَلَيسَ مِنِّي» [٢]
، ومن هنا قال الإمام عليه السلام إنّ معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس عليَّ، فالعبارة:
«فِيهَا
الْحَمَأُ وَالْحُمَةُ»
، بالنظر إلى أنّ الحمأ بمعنى المستنقع والمادة الغامقة في جرف الأحواض والجداول، والحمة بضم ففتح بمعنى الإبرة اللاسعة للعقرب والحية، فهى كناية عن الأفراد الأرجاس والخطيرين الذين كانوا من مثيري فتنة الجمل.
وهنا تفسير آخر لهاتين المفردتين في أنّ الحمأ بمعنى القرابة الحميمة والحمة بمعنى الزوج وهى كناية عن الزبير بن العوام ابن عمة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وعائشة إحدى أزواج النبي صلى الله عليه و آله، والعبارة الشبهة المغدقة بالنظر إلى أنّ المغدقة من مادة أغداق تعني في الأصل التغطية إشارة إلى الضجة التي أقامها أصحاب الجمل بعنوان المطالبة بدم عثمان والحال أيديهم ملطخة بدم عثمان، بينما صوروا أنفسهم من حماته، وهذه العبارة لا تنافي العبارة اللاحقة التي قالت بوضوح المطلب، لأنّ المراد هو عدم خفاء الأمر على الأفراد من ذوي العقول والإدراك، لأنّهم كانوا على علم بمؤامرات أصحاب الجمل ودعاياتهم المغرضة الكاذبة.
ثم إختتم الإمام عليه السلام كلامه بتوجيه تهديد شديد استهله بالقسم فقال عليه السلام:
«وَايْمُ اللَّهِ
[١] أورد ابن الأثير في المجلد الثاني، ص ٣١٥ عن الكامل شرحاً مفصلًا لقضية نباح كلاب الحوأب وصراخ عائشة وعزمها على الرجوع وشهادة البعض على كذب من قال تلك المنطقة هى الحوأب.
[٢] تاريخ دمشق ٣٢/ ١٧١، طبعه بيروت؛ كنز العمال ١٢/ ٢١١ طبعة حيدر آباد (مطابق نقل أحقاق الحق ١٧/ ١٦٦).