نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - القسم الأول الحاقدون الظالمون
ثم استدلّ بدليل واضح على ذلك فقال:
«فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ
[ [وُلُّوهُ]]
دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ. وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ»
، قطعاً ليس الإمام عليه السلام من يد في قتل عثمان، وإن اعتبر أغلب الصحابة أنّ عثمان يستحق القتل، إلّا أنّ الإمام عليه السلام ليس فقط لن يشترك في هذا العمل فحسب، بل بعث بولديه الحسن والحسين عليهما السلام للدفاع عنه، مع ذلك صرّح تجاه ذرائع طلحة والزبير وبغية سلبهم حق المطالبة فقد قال لم يقل أحد بأنّي كنت الوحيد في قتل عثمان على فرض أنّي اشتركت في قتله، فقد شركتموني فيه، وعليه فأي منطق يستول لكم مطالبة الآخرين بأمر اشتركتم فيه معهم، وإن كنتما لوحدكما من فعل ذلك، فالعقاب يقتصر عليكم، وعليكم أن تدينوا أنفسكم قبل أي شخص، فالمتعارف بين الساسة الشياطين أنّهم يسعون لخلق بعض الذرائع التي يستحسنها العوام بغية التشنيع على منافعهم، فهم يبذلون قصارى جهدهم لإتهام منافسهم بما يشوه سمعتهم لدى الرأي العام، وفي ظلّ هذه الأجواء تغيب معاني المنطق والعدالة والوجدان والشرف، فالهدف إقصاء المنافس الخصم مهما كان الثمن، وهذا بالضبط هو المنهج الذي مارسه طلحة الزبير وعائشة بعد بيعة الامة لعلي عليه السلام فألبّوا الكثير من الناس لقتاله عليه السلام حتى احترقوا بنيران تلك المعارك، على كل حال فانّ الإمام عليه السلام سلب من خصومه الحجّة وأفشل خططهم ليعلم الناس أنّهم قتلة عثمان وقد تذرعوا بالمطالبة بدمه وهدفهم ضمان مصالحهم الشخصية، فهم لا يفكرون في الناس ولا يهتمون بدم الخليفة المظلوم.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى حديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بشأن أصحاب الجمل الذين ينقضون البيعة:
«إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي [١]؛ مَا لَبَسْتُ وَلَا لُبِسَ عَلَيَّ. وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ؛
فِيهَا الْحَمَأُ وَالْحُمَةُ، وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ؛ وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ؛ وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغَبِهِ [٢]».
فهذا الكلام إشارة للحديث المعروف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا تَذهَب اللّيالِي وَالأَيّامُ حتّى تَتنابَحَ كِلابُ ماءٍ بِالعِراقِ يُقَالُ لَها الحَوأَبُ إِمرَأَةً مِنْ نِسائِي فِي فِئَةٍ بَاغِيةٍ» [٣].
[١] أوردنا شرحاً تاماً للعبارة «إنّ معي لبصيرتي» في هذا الكتاب ١/ ٤٨١.
[٢] «شغب»: مصدر وبمعنى تهييج الشر والفساد.
[٣] منهاج البراعة ٨/ ٣٣٨؛ الاحتجاج ١/ ١٦٥.