نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - أنصف المظلوم من الظالم
وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ»، فلست
من قبيل طلاب الدنيا من الحكّام الذين ينشدون من وراءها تأمين جلالهم وأبهتهم ومصالحهم الشخصية، فما أريده هو إقامة الدين بواسطتكم وأن اؤدّي حقوق الناس وأفوز برضى اللَّه سبحانه، ولكنكم تريدونني لمصالكم الشخصية كالحصول على سهم كبير من بيت المال أو نيل المناصب والمقامات والرفاه في الحياة، وبالإلتفات إلى الاختلاف بين هاتين النظرتين فمن الطبيعي ألا تتساوى المسارات تبعاً لوسائل العمل، ثم دعاهم لإصلاح أنفسهم بعد أن وبّخهم وأيقظهم فقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ»
، في إشارة إلى أنّ مدرستي التربوية معدة لإصلاحكم، فما اريده منكم وبقبول نصائحي- التي تستند إلى مصدر الوحي والقرآن الكريم وتعاليم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله- الإلتحاق بها والتعاون معي، فانّ لم يكن لديكم الإندفاع فلا جدوى من أي برنامج، ثم أشار في الختام إلى نقطة مهمّة ووضح عزمه الراسخ فيها وهى مسألة بسط العدالة في كافة أرجاء البلد الإسلامي مقاتلة الظلمة فقال:
«وَايْمُ اللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ [١] حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ [٢] الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً»
، فهذا التشبيه الرائع للظلمة بالبعير الجامح الذي يمتنع حتى من شرب الماء ويريد صاحبه أن يورده مشربه كرهاً ويرويه، يفيد أنّ الهدف من مقارعة الظلمة لا يقتصر على استرداد حقوق المظلومين فحسب، بل أنّ هذا العمل بنفعهم أيضاً، لأنّ الظالم إن جاوز الحدّ فانّ التمرد والعصيان العام سيكون كألسنة اللهب التي تحرق الأخضر واليابس وأنّ الظلمة أول من تحرقهم تلك النار، الأمر الذي وقع في عصر عثمان قبيل حكومة الإمام عليه السلام كما يفيد من جانب آخر أنّ أهم هدف اجتماعي للإمام عليه السلام بسط العدل وأخذ حق المظلومين، وهذا هو الدواء الشافي المرير على ألسنة أغلب الأفراد الجهّال، وهذا أهم هدف لبعثة الأنبياء والذي صوره القرآن الكريم بالقول: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...» [٣].
[١] «خزامة»: بالكسر حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام ويشهل قياده، وقال البعضإن كان جنس الحلقة من النحاس قيل لها البرة وإن كانت من الشعر فهى الخزامة.
[٢] «منهل»: من مادة «نهل» على وزن جهل بمعنى الشربة الأولى ويطلق المنهل على الموضع الذي يمكن الاستفادة منه من ماء النهر (لابدّ من الالتفات إلى أنّ سطح ماء أغلب الأنهار أكثر انخفاضاً من الساحل وعادة ما يشقون بعض الأماكن لوصول الماء ليبلغه الناس والحيوانات بسهولة ويقال لمسير هذه الأماكن الشريعة وآخرها المنهل.
[٣] سورة الحديد/ ٢٥.