نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١ - ١- سبل مواجهة التعلق بالدنيا
٥- وأحياناً أخرى يكون على غرار الرسّام الماهر الذي أمسك بريشته وجعل يرسم على لوحته الحالات المرعبة للإنسان على أعتاب الموت، وإنفصاله عن الأهل والولد والمال والثروة والجاه والمنصب، فيضع تلك اللوحة أمام أعينهم ليروها عن قرب فيعتبروا ويفكروا في مصيرهم.
٦- كما يعمد أحياناً أخرى لرسم لوحة صادقة معبّرة عن ضيق القبر وظلمته والذي يمثل آخر منازل الدنيا، فهو يحكي عن وحدة الإنسان وغربته وسط ما يجاوره من قبور صامتة، فليس هناك من تزاور بينهم قط، كما ليس لأحد منهم علم عن آخر، إلى جانب تصويره لانقطاع الإنسان عن زوجته وولده ومدى عجزه وحاجته.
والملفت للنظرها هو أنّ جميع هذه المباحث والمضامين إنّما تتحرك في ظلّ آيات القرآن الكريم، فأحياناً تشير صراحة إلى تلك الآيات، وأخرى تكون العبارات مستقاة من الآيات القرآنية، وهذا ما يسيغ نوراً ولمسات روحية، وجذبات معنوية على كلمات الإمام علي عليه السلام وبالتالي مضاعفة مدى تأثيرها.
ياليت أهل الدنيا ممن اغتروا بها وخدعوا بحطامها وزيفها وتزينها أن يلتفتوا لأنفسهم ولو لحظة واحدة طيلة عمرهم فيطالعوا هذه الخطبة الموقظة ويتدبّروا عباراتها ومفاهيمها، بل ما أحرانا نحن أيضاً أن نتأمل هذه الخطبة وما شابهها من الخطب التي وردت في نهج البلاغة لتتعمق معرفتنا بخصوص الدنيا والوقوف على مدى ضحالتها وتفاهتها فتتجدد فينا روح الطاعة والابتعاد عن الخطيئة والمعصية.
جدير بالذكر أنّ العديد من الأدباء والشعراء قد انطلقوا أيضاً في ظلّ الآيات القرآنية والروايات الشريفة والمفاهيم الدينية فانشدوا أشعاراً تهزّ الضمير وتوقفه على واقع الدنيا، من اولئك الشعراء الايرانيين هو الشاعر الكبير والفريد «الحافظ الشيرازي» الذي أنشد أشعاراً كثيرة بشأن سرعة زوال نعم الدنيا وغدرها وأنّ حلاوتها قد مزجت بالمرارة وراحتها بالألم وسلامتها بالمرض والسقم، كما نظم قصائداً في تقلب أحوال الدنيا وتغيرها المفاجىء وعدم استقرارها على حال.
|
قصر الجديد إلى بلى |
والوصل في الدنيا انقطاعه |