نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٨ - القسم الخامس أهمية القرآن و دور عبادة الدنيا فى الصراعات
السعادة والنجاة:
«لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ، وَتَاهَ [١] بِكُمُ الْغُرُورُ [٢]، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى
نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ».
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: «وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ...» [٣]، كما قال: «وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا» [٤]، استهام من مادة هيام على وزن قيام خرج لا يدري أين يذهب، فهو يمشي دون هدف حيران فلا يبلغ الهدف، ولمّا كان العاشق حيران في حياته فقد اطلقت هذه المفردة على العشق الشديد.
على كل حال فانّ الشيطان يحث الإنسان على العبث والعشوائية ولا يقود ذلك سوى للحيرة والاضطراب، وهذا بدوره يلقي بالإنسان في وادي الهلكة، وبالنتيجة فانّ صفاتهم الباطنية القبيحة من جانب، والانقياد لوساوس الشياطين من جانب آخر قد مهدت السبيل لبؤسهم وشقائهم وسلبتهم بصيرتهم وسمعهم ونطقهم وفهم الصحيح، وهكذا يستعرض هذا الطبيب الرباني بهذه الخطبة الغرّاء جذور الأمراض وطرق مكافحتها وعلاجها.
أشار الإمام في هذا المقطع الأخير من الخطبة إلى عدّة أمور مهمّة منها:
١- أنّ القرآن الكريم مصدر البصر السمع والنطق، مع ذلك هناك من لم يستثمر ذلك، لأنّهم محجوبون وحجابهم فسادهم والباطني وتلوثهم وطول أملهم وغرقهم في حبّ الدنيا، ونعلم أنّ هذه الأمور أهم حجب المعرفة، نعم فالكتب السماوية مهما ملئت الحكمة، ومهما تحلى الأئمّة بالعلم والبلاغة فلا جدوى من ذلك ما لم تكن هناك قابلية في القابل، فالشمس ترسل أشعتها
[١] «تاه»: من مادة «تيه» بمعنى الحيرة ومن مادة «توه» على وزن لوح بمعنى الهلكة، ويبدو المعنى الثاني فيالعبارة هو الأنسب.
[٢] «غرور»: إن قرأ بالضم فهو الخداع والمكر، وإن قرأ بالفتح أفاد الوصف وعنى الشخص الخادع وقد أطلقه القرآن على الشيطان، وقد ورد بالصيغة الأولى في النسخة المعروفة لصبحي الصالح، بينما ورد بالصيغة الثانية في أغلب النسخ، وتبدو الصيغة الثانية أنسب على ضوء تناسق العبارات.
[٣] سورة النور/ ٢١.
[٤] سورة النساء/ ٨٣