نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - القسم الخامس الاعتبار بالموتى
والمظلمة الموحشة الخالية من الصخب والضجيج.
ثم إختتم حديثه عليه السلام بالقول:
«فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا، حُفَاةً عُرَاةً» [١].
والعبارة مستوحاة من الآية القرآنية الشريفة: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» [٢].
نعم كما خلق آدم عليه السلام من التراب، كذلك أولاده سيعودن حفاة عراة إلى هذه الأرض على غرار ولادتهم وقدومهم إليها، وإن حملوا معهم كفناً، فهو ليس كذلك في الواقع، إذا سرعان ما يبلى ويزول ولا يعدّ له من وجود، بالتالي سيودع هذا الإنسان شاء أم أبى يوماً كل ما جمعه من أموال وأعدّ لنفسه من قصور ودور فارهة وحدائق ومراكب وإمكانات ووسائل، لينزل تلك الحفرة حافياً عرياناً وعليه أن يستعد لتلك الظلمة والوحشة.
نعم، الشيء الوحيد الذي يحمله معه هو عمله والذي قد يكون أحياناً وبالًا عليه وأعظم بلاء يصيبه، وهو الأمر الذي أكّده الإمام عليه السلام فقال:
«قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقيَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» [٣]».
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار في ختام هذه الخطبة إلى نقطتين:
الأولى: عودة الإنسان إلى الأرض كما خلق منها.
والثانية: النشأة الجديدة في الآخرة.
ثم استشهد عليه السلام بالآية القرآنية الكريمة: «كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ»، لكي لا يبقى أدنى مجال للشك في حقيقة عودة الإنسان إلى التراب الذي خلق منه فيرى هناك جزاء أعماله من ثواب أو عقاب.
[١] اختلفت أقوال شرّاح نهج البلاغة لهذه العبارة، ويبدو الأنسب هو ما أوردناه سابقاً.
[٢] سورة طه/ ٥٥.
[٣] سورة الانبياء/ ١٠٤.