نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - نتيجة الخطبة
الجنّة لا تعطى لأحد بالمجان، كما لا تتأتى من خلال الظن والتصور والخيال والزعم الفارغ، فمفتاح الجنّة الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تنبعث من التقوى.
ثم قال عليه السلام في مواصلة لشرح وضع الدنيا والآخرة ومنزلة كل جماعة:
«فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ»
، فالنظرة الإسلامية التي تعرض لها القرآن الكريم ونهج البلاغة مراراً تكمن في أنّ الدنيا دار ممر وأنّها قنطرة وميدان للتدريب وبالتالي فهى متجر ومقدمة للآخرة الموضوع الأصلي للإنسان، وإن اعتمدنا هذه النظرة للدنيا آنذاك سيبدو لنا كل شيء بصيغة أخرى وستحول دون مقارفتنا للذنب والظلم، وتسوقنا نحو الخير والاحسان.
أمّا أتباع المدارس المادية التيترى الدنيا ولذاتها هدفها النهائي، وقد غفلت تماماً عن الآخرة، فليس هناك من حد لتلوثها بالذنوب والنزاعات من أجل الاستحواذ على الأموال والمناصب الظاهرية، وعليه فلا أمل في إطفاء غائلة المعارك والنزاعات بينها، وأخيراً خلص الإمام إلى نتيجة رائعة عميقة المعنى فقال:
«فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ [١]. وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ
لِلزِّيَالِ [٢]»،
في إشارة إلى أنّ الوقت ضيق والموانع كثيرة وزمان الرحيل مجهول تماماً، ولا ينبغي أن يقتصر التأهب على الكهول، بل لابدّ أن يعيش ذلك التأهب حتى الشباب على الدوام، فما أكثر من بقي من الآباء الكهول والعجزة، بينما رحل الشبان الأشداء.
نتيجة الخطبة
أشار الإمام في هذه الخطبة إلى أمور مهمّة يمكن إيجازها في ما يلي:
١- لفت الأنظار في بداية الخطبة إلى حضور اللَّه سبحانه في كل مكان وعلمه بخفايا الإنسان وباطنه، ليراقب الجميع أعمالهم.
[١] «أوفاز»: جمع «وفز» على وزن نبض السرعة والعجلة والاستعداد للسفر.
[٢] «الزيّال»: بمعنى الفراق والعبارة «قربوا الظهور للزيّال» تعني أعدوا المراكب للرحيل من الدنيا ولازمةذلك الإتيان بالأعمال الصالحة والتوبة من الذنوب وأداء حقوق المخلوق والخالق.