نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦ - القسم الخامس الاعتبار بالموتى
نعم، فلابدّ لكل إنسان أن يذوق طعم الموت: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ...» [١].
وقال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» [٢].
ولعل الإنسان يشك في كل شيء، غير أنّه لا يشك في حقيقة الموت: «واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ» [٣].
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بضرورة الاتعاظ بمن كان قبلهم من الامم ممن غرّتهم قواهم، فلم تنفعهم تلك القوّة شيئاً حتى حملوا راغمين إلى قبورهم، فلم يحلوا ضيوفاً على تلك القبور بعد أن ورد وهاقراً وإكراهاً دون أن يكون لهم أدنى إرادة واختيار: «وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِيْنَ قَالُوا: «مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً» [٤]. حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً [٥]، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ [٦] فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً».
ولعل العبارة إشارة لما ورد في الآية ١٥ من سورة فصلت القائلة: «فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ...».
فالمعروف أنّ قوم عاد كانوا ذوي جثث ضخمة وقصور وبيوت فارهة عملاقة ينحتونها وسط الجبال، الأمر الذي جعلهم يصابون بالكبر والغرور، فلمّا عتوا عن أمر اللَّه وعصوه أرسل اللَّه عليهم ريحاً عاتية فأحالت جثثهم الضخمة إلى ما يشبه أوراق الأشجار التي تتناثر على الأرض، حيث حدّث عنهم القرآن الكريم بهذا الشأن قائلًا: «إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ* تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ». [٧]
[١] سورة العنكبوت/ ٥٧.
[٢] سورة الرحمن/ ٢٧- ٢٨.
[٣] سورة الحجر/ ٩٩.
[٤] سورة فصلت/ ١٥.
[٥] «ركبانا»: صرّح بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ العرب إعتادت الاصطلاح بالركبان على من يركب مختاراً وله التصرف في مركوبه، فان نزلوا سموا ضيفان، أمّا الموتى الذين يحملون إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً ولا ضيفان.
[٦] «الاجداث»: جمع «جدث» على وزن قفص بمعنى القبور.
[٧] سورة القمر/ ١٩- ٢٠.