نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - ١- من هو أبو ذر رحمه الله
فقال أبو ذر: أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللَّه تعالى؟ فواللَّه لأن أرضي اللَّه بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط اللَّه برضا عثمان، فأغضب ذلك عثمان وأحفظه، فتطاير وتماسك، إلى أن قال يوماً والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً، فاذا أيسر قضى؟ وكان في المجلس كعب الأحبار وأبو ذر، فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال:
أبو ذر: يابن اليهودية أتعلمنا ديننا؟ (فمثل هذه الأمور لا تجوز في بيت مال المسلمين) فقال عثمان: قد كثر أذاك وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام، فأخرجه إليها.
ولم يسكت أبو ذر في الشام حين شاهد الخضراء التي بناها معاوية في دمشق إلى جانب البيوت المتواضعه للفقراء من الناس والمحرومين، فقال لمعاوية: يا معاوية إن كانت هذه من مال اللَّه فهى الخيانة، وإن كانت من مالك فهى الاسراف، واللَّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها، واللَّه ما هى في كتاب اللَّه ولا سنّة نبيّه، واللَّه إنّي لأرى حقاً يطفأ وباطلًا يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه، فثقل ذلك الكلام على معاوية، فكتب إلى عثمان، فكتب عثمان أن إحمل جندباً إلي على أغلظ مركب وأوعره حتى قدم به المدينة.
فلما دخل أبو ذر رحمه الله على عثمان، سعى عثمان لأن يضطره للقول بخلاف ما يريد فقال له: أنت الذي تزعم أنا نقول:
«إِنّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ الأغنِياء»
، فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللَّه على عباده، ولكنّي أشهد أنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول:
«إِذا بَلَغَ بَنو العاصِ ثَلاثِينَ رَجُلًا، جَعَلُوا مالَ اللَّهِ دُولًا، وَعِبادَهُ خِولًا، وَدِينَهُ دَخلًا»
، فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟ قالوا: لا؟ قال عثمان: ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ثم قال: ادعوا لي علياً، فما جاء قال عثمان لأبي ذر: اقصص عليه حديثك في بني العاص، فأعاده، فقال عثمان لعلي أسمعت هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: لا؛ وقد صدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه؟ قال: لأنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، يقول:
«مَا أظَلَّتِ الخضرَاءُ ولا أَقَلَّتِ الغَبرَاءُ عَلَى ذِي لَهجَةٍ أَصدَقُ مِن أَبِي ذَر ...»
. فقال من حضر: أما هذا فقد سمعناه كلّنا من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فندم عثمان.
وجاء في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إنّ عثمان بعث غلامين بمئتي دينار إلى أبي ذر وقال: قولا له إنّ عثمان يقرأك السلام وبعث بهذا المال لتستعن به على معيشتك، فقال أبو ذر: