نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - القسم الأول أبو ذر رحمه الله بطل مقارعة الفساد
وهنا وقف أبو ذر رحمه الله فودعه القوم، وخطب الإمام عليه السلام بهذه الكلمات التي تتضمن كل واحدة منها نقطة مهمّة بهدف مواساة أبي ذر وتحمله المصاعب التي ستواجهه في المستقبل، فقد أشار عليه السلام إلى ست نقاط فقال أولًا:
«يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ».
أمّا قوله عليه السلام فارج من غضبت له ولم يقل ارج اللَّه، فالواقع بيّن الإمام عليه السلام دليل ذلك الأمل، لأنّ كل شخص يغضب لآخر بالنسبة لشيء يؤذيه، فمن الطبيعي أنّ ذلك الشخص سيقف إلى جانبه.
وقال في الثانية:
«إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ».
إشارة إلى أنّهم شعروا بالخطر على حكومتهم ومنافعهم المادية إثر صراحة كلامك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يستطيعوا تحمل وجودك في المدينة، لكنّك قاطعتهم ولم تقبل بذلهم، وذلك لأنّك شعرت بالخطر على دينك، فلما قمت بوظيفتك واطلعت الناس على أعمال هؤلاء الحكام، فاتركهم واهرب بدينك وإيمانك.
ثم قال الإمام عليه السلام:
«فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً، وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً»،
فهم بحاجة إلى دينك، الدين الذي لم تكن مستعداً للتضحية به من أجل دنياهم، لكنّك لست بحاجة إلى دنياهم وإن منعوها عنك [١]، والعبارة «وستعلم ...» مواساة أخرى لأبي ذر فعمر الدنيا قصير كأنه ويوم وغدا تقوم القيامة، أنذاك سيفتضح الظلمة عبدة الدنيا ويغبطون الأتقياء على درجاتهم العالية، ثم ضاعف من ذلك الرجاء في قلب أبي ذر فقال في الثالثة:
«وَلَوْ أَنَّ السَّموَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً [٢] ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ
لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً!».
والواقع هو أنّ هذه العبارة إشارة إلى الآية الشريفة:
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ» [٣].
[١] وعليه تفسير «ما» بالموصولة بمعنى الدين لأنّهم أرادوا أن يستفيدوا من دين أبي ذر لصالح دنياهم، فحالأبو ذر دون ذلك، كما يحتمل أن يكون الدين بصورة مطلقة، إلّاأنّ هناك تقديراً في العبارة حيث يكون المعنى ما أحوجهم إلى الدين، الدين الذي حذرت عليه من إفسادهم له.
[٢] «رتق»: إلتحام شيء بآخر وتعني في العبارة إغلاق طرق الخلاص والفرار.
[٣] سورة الطلاق/ ٢- ٣.