نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٨ - القسم الثاني أين الأخيار؟
المتورعون، والمتنزهون، حقّاً إنّ افتقرت المجتمعات البشرية إلى هذه الطوائف الشريفة والنجيبة في المجتمع، فليس هناك سوى الفساد والانحراف، والمراد من المتورعين في مكاسبهم، الأفراد الذين لا يطففون في البيع ولا يغشون ولا يكذبون ولا يقسمون بالباطل ولا يرابون والذين ينقضون عهودهم ومواثيقهم، فمن يرى المجتمع الصالح العامر بالأخيار والصلحاء والأحرار والسمحاء على أنّهم نماذج المجتمع إنّما يشعر بالامتعاظ لا سيّما إن رأى بدلًا منهم الأشرار والطلحاء والأسرى والبخلاء فلا يمتلك سوى الصراخ: اين اولئك الأعزة؟ كيف خلى مكانهم؟
ثم قال الإمام عليه السلام:
«أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا [١] جَمِيعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ
الْمُنَغِّصَةِ [٢]».
فأردفها عليه السلام بالقول:
«وَهَلْ خُلِقْتُمْ [٣] إِلَّا فِي حُثَالَةٍ [٤] لَاتَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً
لِقَدْرِهِمْ، وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ! فَ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)».
وقد انبثقت هذه الظروف العصيبة والأفراد المنحطين منذ انحراف الخلافة الإسلامية عن محورها الأصلي وقد بلغ الأمر ذروته على عهد عثمان، فقد فوضت المواقع الحساسة من الحكومة الإسلامية إلى أصحاب الدنيا البعيدين عن الورع والتقوى وقد تغلغلوا في المجتمع الإسلامي بحيث كان من المتعذر تغييرهم ابان حكومة علي عليه السلام، كما كان هؤلاء الأفراد هم السبب لكافة المعارك التي حدثت ضد الإمام عليه السلام.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى الوظيفة التي ينبغي أن يقوم بها أصحابه تجاه تلك الظروف والأوضاع فقال:
«ظَهَرَ الْفَسَادُ، فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ، وَلَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ. أَفَبِهذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟».
[١] «ظعنوا»: من مادة «ظعن» السفر والرحيل.
[٢] «المنغصة»: من مادة «نغص» على وزن نقص الكدر وعدم الصفاء ماء الشرب، ثم اطلقت على كدورة العيش ومنه العيش المنغص.
[٣] وردت هذه المفردة في أغلب شروح نهج البلاغة خلقتم التي لا تختلف كثيراً عن «خُلِّفتُم» كما لم تذكر إلّافي العبارة إلّابذمهم.
[٤] «حثالة»: تعني في الأصل راسب الدهن ثم استعملت بشأن الأفراد الأراذل الذين لا شخصية لهم.