نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - القسم الثاني نبوءة أخرى
بالمطرقة يمكن أن يكون إشارة أنّ أغلب وجوههم كانت تشبه بالضبط موضع المطرقة على صفيحة الترس، ثم قال عليه السلام:
«يَلْبَسُونَ السَّرَقَ [١] وَالدِّيبَاجَ [٢]، وَيَعْتَقِبُونَ [٣] الْخَيْلَ الْعِتَاقَ [٤]».
فالعبارة تفيد أنّ هؤلاء وإن كانوا فقراء وجوعى أول أمرهم يرتدون الثياب الخشنة، إلّا أنّهم حين يستولون على البلدان الغنية ويسيطرون على أموالهم وثرواتهم يتجهون صوب الثياب الفاخرة والخيول النفيسة، ويحتمل أن يكون المراد أنّ لهم رغبة شديدة في القتال، ومن المعروف أن لبس الحرير يمنح الإنسان قوة القلب ويجعله أكثر مقاومة للسيف، كما للخيول الخفيفة دور مهم في ميدان القتال، وهذا ما يجعلهم يتجهون إلى هذه الأمور.
ثم خاض الإمام عليه السلام في أعمالهم وأشار بعبارات قصيرة إلى أبعاد ما يرتكبونه من فاجعة فقال:
«وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ [٥] قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ الَمجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ
الْمُفْلِتُ [٦] أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ [٧]!».
فالعبارتان تشيران إلى مدى سعة أبعاد الفاجعة، حيث لا يبقى في الأرض مكان يسمح لعبور الجرحى، لابدّ من وضع أقدامهم على أجساد القتلى، ومن لم يقتل يؤسر، وقليل هم الناجون، وإنّ أدنى مطالعة في تاريخ المغول تفيد انطباق جميع هذه الأوصاف عليهم، قال ابن أبي الحديد: واعلم إنّ هذا الغيب الذي أخبر به علي عليه السلام قد رأيناه نحن عياناً ووقع في زماننا فقد فعل هؤلاء القوم ما لم تحتو التواريخ منذ خلق اللَّه تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله [٨].
وهنا يبرز هذا السؤال: ماذا كان قصد الإمام عليه السلام بالإخبار عن فتنة صاحب الزنج التي
[١] «السرقة»: بمعنى الحرير الفاخر أو الحرير الأبيض، وقال أغلب أرباب اللغة أصلها فارسي أخذ من السرّه بمعنى الحسن والخالص.
[٢] «الديباج»: بمعنى القماش الحريري الملون، كما يستعمل أحياناً بمعنى كل قماش حسن النقش، وأصله فارسي أيضاً.
[٣] «يعتقبون»: من مادة «اعتقاب» يحبسون كرائم الخيل ويمنعونها غيرهم.
[٤] «اعتاق»: جمع «عتيق» بمعنى كل شيء حسن وقيّم وتستعمل في الخيل الأصيلة.
[٥] «استحرار»: من مادة «حرارة» بمعنى الشدّة والحدّة.
[٦] «المفلت»: من مادة «فلت» على وزن فرد بمعنى الهروب والفرار وتطلق مفردة المفلت على من ينجو من الشدّة.
[٧] «المأسور»: بمعنى الأسير.
[٨] شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ٨/ ٢١٨.