نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - تأمّل قيام صاحب الزنج
الإنتقام حتى أمر غلمانه بعد غلبته للأثرياء بأن يضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة وسبي نسائهم وكان يبيع كل واحدة منهن بدرهمين أو ثلاث وملكهن العبيد.
قال المؤرخ المشهور المسعودي في «مروج الذهب» أنّ صاحب الزنج قتل النساء والأطفال والشيخ الفاني والمريض وكان يحرق أموالهم وأدواتهم ويخرب بيوتهم، وقد قتل في البصرة ثلاثمائة ألف، ومن فرّ إلى الصحراء ونجى من القتل كان يأكل الكلاب والقطط والفئران، وأحياناً يأكلون الأموات، إستولى على قسم عظيم من العراق وإيران ودام حكمه مدّة تزيد على أربع عشرة سنة (وهذا يدلّ على أنّ حركته لم تكن عابرة بل كانت متجذرة في أعماق ذلك المجتمع).
وقد أو شك صاحب الزنج أن يسقط الدولة العباسية، فهب له أبو أحمد الملقب بالموفق وهو أخو الخليفة العباسي فقاتله بجيش كبير حتى تمكن من قتله في شهر صفر عام ٢٧٠ ه وفرق جيشه بعد معركة دموية طويلة، لقد ألفت عدّة كتب بشأن قيام صاحب الزنج فهو ليس بالأمر الهيّن الذي يمكن المرور عليه بسهولة، وذلك لأنّ جمع جيش يقارب عدده ثمانمائة ألف أو ثلاثمائة ألف آنذاك ليست بالشيء البسط وكذلك تلك المدّة من الحكم والتي تعتبر طويلة نسبياً، وكل ذلك يشير إلى رسوخ ذلك القيام بفعل الاضطراب وغياب العدل والذي ساد آنذاك، وإن قاد هذا القيام إلى الكثير من المظالم والجنايات.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى بعض الامور:
١- شبّه بعض الكتّاب قيام صاحب الزنج بثورة العبيد التي حدثت في ايطاليا عام ٧٣ قبل الميلاد بزعامة اسبارتكوس الذي جمع حول فئة عظيمة من العبيد وقد قاتل الأثرياء والمرفهين وأحرز عدّة انتصارات حتى قتل عام ٧١ قبل الميلاد مع أربعين ألف من العبيد، لكن يبدو أنّ هناك بوناً شاسعاً بين قيامه وقيام صاحب الزنج، فقيام صاحب الزنج كان أوسع وأشمل وقد تمكن من تشكيل الحكومة آخر الأمر والتي حكمت قسماً كبيراً من العراق وايران لمدّة أربع عشرة سنة، على كل حال فهو رجل دموي ومجرم رغم إمتلاكه للحجج التي تبدو منطقية نسبياً من أجل قيامه وثروته.
٢- كما ذكرنا سابقاً فانّ صاحب الزنج أسمى نفسه علي بن محمد ومن نسل الإمام السجاد عليه السلام، وتلقب بالعلوي، إلّاأنّ ذلك لا حقيقة له، ولم يكن هدفه سوى شرعية حركته