نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - القسم الأول العنف الهمجي للخوارج
بالعبارة المذكورة على خطأهم ليتم الحجة عليهم، فلو فرض (وفرض المحال ليس بمحال) أنّه ضل فما الذي يدعو إلى الحكم بضلالة كافة امّة محمد صلى الله عليه و آله بضلاله:
«فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُظَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، بِضَلَالِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ نبِذُنُوبِي!».
ثم واصل كلامه بالقول:
«سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ [١] تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ،
وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ».
فهذا العبارات تتضمن إشارة إلى عدّة أجوبة: الأول بطلان التصور القائم على أني أحطأت وضللت، فأولًا: أنّي قبلت التحكيم بفعل ضغوطكم، وثانياً: لو تمّ التحكيم بصورة صحيحة لكان مطابقاً للقرآن، فالواقع أنّ الحكم هو القرآن، ومن ينهض بالتحكيم إنّما يرجع إلى القرآن ويستنبط منه حكم اللَّه سبحانه، فيطبق الكليات على مصاديقها، كما مرّ ذلك في الخطب السابقة، وعليه فليس هنالك من عمل مخالف حكم اللَّه حتى يؤدّي إلى الخطأ والضلالة، ثالثاً:
على فرض أنّي إرتكبت خلافاً فما معنى حمل ذلك على سائر المسلمين؟ لم تكفرونهم وتريقون دماء الأبرياء؟ أي قانون هذا الذي تتمسكون به؟ وبأي شرع تؤمنون؟
ثم إتّجه الإمام عليه السلام صوب خطأهم الأصلي المتمثل بقولهم كل مذنب كافر، فردّ عليهم ردّاً قاطعاً فقال:
«وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله رَجَمَ الزَّانِيَ الُمحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ؛ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ. وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الُمحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ؛ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله، بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ».
فقد أراد الإمام عليه السلام عدّة شواهد من سنّة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله تؤكد وضوح خطأ الخوارج، الأول أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يعدم الزاني والقاتل، ثم يصلّي عليهما ويوّرث أهلهما، لو كفر هؤلاء بارتكابهم الزنا وقتل النفس لما وجب توريث أهلهم لهم حسب عقيدتكم، لأنّ المسلم لا يرث الكفّار، (هذه عقيدة أغلب فقهاء العامّة)، كما حدّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سائر المذنبين كالسارق
[١] «عواتق»: جمع «عاتق» قسم من الجسم يقع بين الرقبة والكتف.