نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٢ - بحث في اسلوب تقسيم العطاء
الست الماضية بحث مفصّل ورد في الكتب الفقهية مثل كتاب الخمس وكتاب الزكاة وكتاب الجهاد.
وهنا يطرح هذا السؤال: أي من هذه الأموال الست التي ينبغي توزيعها بصورة مساوية بين المسلمين وقد عمل بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله واستمر العمل بها حتى في زمان الخليفة الأول، وواصلها الإمام علي عليه السلام إحياءً للسنّة بعدما إندرست على عهد الخليفة الثاني والثالث؟
يبدو أنّ تلك الأموال هى أموال الخراج (ويحتمل إلحاق الجزية بها) والتي كانت تشكل في ذلك الزمان القسم الأعظم من بيت المال، وقد كانت إلى درجة من الكثرة بحيث لم تكن هناك من أهميّة لسائر موارد بيت المال في مقابلها، ولذلك فانّ أحد البرامج الرئيسية للولاة الذين يتجهون إلى مختلف المناطق جباية الخراج، ويستفاد هذا المعنى من أغلب الرسائل الواردة في نهج البلاغة، ومن ذلك عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر رضى الله عنه ورسالته عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة (الرسالة ٥٣ و ٤٣).
وبناءاً على ما تقدم فانّ وزع قسم آخر من أموال بيت المال بصورة غير متساوية على أساس مصالح المسلمين والحكومة الإسلامية على ضوء المدارك الفقهية، فليس هناك من منافاة مع ما ورد في هذه الخطبة وأمثالها.
أضف إلى ذلك فانّ هناك تقسيماً لأموال بين المال على أساس مصالح المسلمين والخدمات التي يقوم بها بعض الأفراد، لا على أساس المصالح الشخصية كما كان يفعل ذلك معاوية، حيث كان يشتري زعماء القبائل بما يغدق عليهم من أموال، حتى كان يغرر ببعض الأفراد ضعاف الإيمان من جيش الإمام عليه السلام فيغريهم بما ينفقه عليهم من أموال كثيرة [١]، وهذا بحدّ ذاته يمثل جناية عظمى لا يمكن تداركها والإغماض عنها، وقد كان الإمام عليه السلام كما ورد في هذه الخطبة يتنفر من هذا العمل، وقد غضب بشدّة على من اقترح عليه استمالة الأشراف وزعماء القبائل بالأموال.
وبالطبع فانّ هذه مدرسة الأحرار والأتقياء الأوفياء التي كانت وما زالت تتضاد ومدرسة سماسرة السياسة وعبدة المناصب وأسرى الأهواء.
[١] ورد عن معاوية أنّه قال: «واللَّهِ لأستَمِيلنّ بالأموالِ أَهلَ ثُقاتِ عليٍّ ولااقسِمَنَّ فِيهِم المالَ حتّى تَغلِبَ دُنيايعَلَى آخِرَتِهِ» شرج نهج البلاغة للعلّامة التستري ٦/ ٤٩١.