نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - القسم الثاني لستم من أهل الجهاد
الواقع إنّ علامة المؤمن الحقيقي هى هذه، يعني ان وقف على مفترق طرق بحيث كان الحق في جانب والمنافع الشخصية في جانب آخر، ولى ظهره لمنافعه الشخصية واندفع نحو الحق، وإلّا فلا فخر في تعصب الإنسان للحق الذي ينسجم مع حفظ مصالحه الشخصية، ومن هنا ذمّ القرآن الكريم طائفة من اليهود التي عملت على هذا الضوء فقالوا: «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ...» [١]، كانت تلك الطائفة تذعن للقوانين الموافقة لميلها ورغبتها وتحقق منافعها، بينما تتمرد على تلك التي تتعارض ورغباتها، والحق إنّ مثل هذا التفكيك لا يعني عبادة اللَّه سبحانه، بل عبادة الهوى، ويصدق هذا الكلام على الأفراد الذين يهبّون لنصرة الباطل بدافع التعصب واللجاجة ودعم الأصدقاء والقرابة، وقد ورد مثل هذا الكلام عن علي عليه السلام في خطابه لعمرو بن العاص حيث أقسم أنّه يعرف الحق، إلّاأنّه يتجاهله، ولم يدفعه للإلتحاق بصفوف أعداء اللَّه سبحانه سوى منافعه [٢].
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«فَأَيْنَ يُتَاهُ [٣] بِكُمْ! وَمِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ [٤]!».
آنذاك دعاهم لجهاد القوم الظالمين، وقد نعتهم بخمس صفات سلبية تتمثل بحيرتهم عن الحق وعدم رؤيته وقد شجعوا على الظلم و الجور، ومن هنا فلا يسعهم الاقلاع عنه، وقد ابتعدوا عن كتاب اللَّه وانحرفوا عن الصراط، رغم حملهم المصاحف ووضعها على الرماح وكلامهم عن تحكيم القرآن الكريم: «اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِينَ [٥] بِالْجَوْرِ لَايَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكُبٍ [٦] عَنِ الطَّرِيقِ».
وهكذا أشار الإمام عليه السلام إلى إننا نمتلك خمسة أدلّة قاطعة إن أردنا قتال هؤلاء وكل واحد من هذه الأدلة يكفي سبباً لقتالهم!
[١] سورة النساء/ ١٥٠.
[٢] شرح نهج البلاغة، للمرحوم التستري ١٠/ ٢٦٣؛ تاريخ الطبري ٤/ ٥٠ طبعة الأعلمي بيروت.
[٣] «يتاه»: من مادة «تيه» على وزن قيد بمعنى الحيرة والاضطراب، ويقال التيه للصحراء التي يحتار فيها الإنسان.
[٤] «اتيتم»: من مادة «إتيان» لها معاني مختلفة وتعني هنا الانخداع والتسليم للباطل.
[٥] «موزعين»: من مادة «ايزاع» بمعنى التشجيع وإيجاد الرغبة في شيء وترد بمعنى الإلهام والتوفيق، والمعنى الأول هو ا لمراد بها في هذه العبارة.
[٦] «نكب»: جمع «ناكب» من مادة نكب على وزن نفى الانحراف عن الشيء.