نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - قضية التحكيم
٣- قطعاً ليس للقرآن من دور في التحكيم من خلال نفسه، وإنّما يتسنى ذلك بواسطة أهل الذكر العالِمين بالقرآن فيجتهدون في استنباط أحكامه في كل مسألة وإبلاغها إلى الناس، ولو حصل هذا الأمر في حادثة صفين لتبيّن أنّ عسكر معاوية مشمولون بالآية التاسعة من سورة الحجرات القائلة:
«فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ...»
فينبغي إدانتهم بصفتهم بغاة طغاة هبّوا للوقوف بوجه إمام المسلمين والحكومة الإسلامية.
والمؤسف أنّ الحكمين هما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص اللذان ليس لهما من علم بالقرآن، ونهض بالأمر من هو عارف بالقرآن، فانّ ذلك ليس خلافاً فحسب، بل يمثل عملًا بالقرآن وأحكامه، لكن حيث لم تحصل الشرائط اللازمة في أية مرحلة، وكانت النتيجة مريرة على تلك الفئة الجاهلة، فعمدت إلى لوم الإمام عليه السلام بدلًا من ذمّها لنفسها، فلم تعمد لإصلاح منظرها، بل اتجهت إلى كسر المرآة، طبعاً لا ينبغي تصور قضية التحكيم على أنّها ترتبط بحادثة تاريخي عابرة، بل هى قضية تكرر في مختلف العصور والأزمنة وحتى في عصرنا الحاضر، فهناك من يتستر خلف بعض المقدسات من ثم يحملوها بعض القراءات الخاطئة عن علم وبدونه ويختارون ما يتماشى ومصالحهم اللامشورعة.
فلعمروا بن العاص وأبو موسى الأشعري- هذان الجاهلان- أشباههما في كل زمان، وأما أكثر ما تتكرر واقعة صفين وحمل المصاحف على السنان والتحكيم التي تتخذ لنفسها صوراً مختلفة، فلا تتمخض سوى عن النتائج التي تؤدّي إلى مظلومية من يسير على النهج العلوي.