نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - القسم الأول سبع وصايا فى فنون القتال
ثم أتمّ كلامه باستدلال منطقي قائلًا:
«فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ [١] هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَيَكْتَنِفُونَهَا: حِفَافَيْهَا [٢]، وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا؛ لَايَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا».
كان للراية أهميّة خاصة في ميدان القتال في الأزمنة الماضية، وذلك لدورها في إرتباط الصفوف والتحامها، وحين كان ينهمك المقاتلون وسط الميدان وجوانبه بالقتال، كانوا يلتفون حين الضرورة حول الراية لإعادة تنظيم صفوفهم وشن الحملات من جديد، وإن سقطت الراية اضطرب العسكر وأحياناً كان ينهار، ولذلكترى العدو يسعى جاهداً للإحاطة بالراية، بينما يحاول الطرف الآخر الابقاء على الراية مرفوعة وهو يدافع عنها بكلّ ما اوتي من قوّة، فقد كان سقوطها يعني الهزيمة، وزبدة الكلام فانّ انتصاب الراية دليل على القدرة وسبب قوّة وعزيمة المقاتلين وحلقة اتصالهم مع بعضهم، ولهذا ما انفك الإمام عليه السلام عن التأكيد وصاياه بحفظ الراية، حيث أكد من جهة ضرورة ثبوت موضع الراية وأنّ حماتها من أشجع الأفراد، ومن جهة اخرى يوصي حملة الراية بعدم التخلي عنها ومراقبتها من جميع الجهات، لا أنّ يتخلفوا عنها ولا يتقدمواعليها، ويضحوا بالغالي والنفيس من أجل حفظها بفضلها علامة الاقتدار والشموخ وورد في شأن غزوة خيبر التي. لف الفريقان بخصوصها عشرات الروايات أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أعطى الراية في اليوم الأول إلى أبي بكر فلم يتمكن من فتح قلاعها، وفي اليوم الثاني أعطاها عمر بن الخطاب، فلم يفلح، فقال صلى الله عليه و آله:
«لَأُعطِيَنَ الرايةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَرّارٌ غَيرُ فَرّارٍ يَفتَحِ اللَّهُ عَلَيهِ» [٣].
فامتدت الأعناق في اليوم التالي ليروا من هو ذلك الرجل، وقد تمنى كل فرد (شجاع) أن
[١] «الحقائق»: جمع «حاقة» على وزن جادة النازلة الشديدة.
[٢] «حفافي»: مثنى «حفاف» على وزن كتاب بمعنى جانب الشيء وحفافيها هنا إشارة إلى جانبي الراية يمينهاوشمالها.
[٣] الكامل لابن الأثير ٢/ ٢١٩، وتفسير الثعلبي (طبق نقل غاية المرام،/ ٤٦٧) وصحيح مسلم، ج ٤ كتاب الفضائل الصحبة الحديث ٣٢؛ صحيح البخاري ٥/ ١٧١ باب غزوة خيبر (طبعاً ذكرت الجملة الأخيرة فقط بشأن علي عليه السلام في صحيح البخاري مسلم).