نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٧ - القسم الأول سبع وصايا فى فنون القتال
بالإلتفات إلى الوصايا السابقة واللاحقة لهذه الوصية والتي تبيّن فنون الدفاع، فانّ المعنى الأول يبدو هو الأنسب، لا سيّما التعبير بالحرف في لا يتناسب والمعنى الثاني، بينما يتناسب ما إخترناه حتى التعبير الأمور المأخوذ من مادة مور والذي يعني الاضطراب.
وقال في الوصيّة الرابعة بعض النظر (وعدم النظر إلى كثرة العدو وآخره) فذلك أسكن للقلب:
«وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ، فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ [١]، وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ».
تختلف هذه الوصيّة عن سابقاتها لاشتمالها على بعد نفسي ونعلم جميعاً أنّ روحية الجنود كلما كانت مرتفعة كان الأمل بالنصر أكثر، ومن هنا أكّد الإمام عليه السلام هذا المعنى مراراً وقد مرّ علينا نموذج ذلك في الخطبة ١١ و ٦٦.
وقال في الوصية الخامسة:
«وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ».
من الطبيعي أنّ الإنسان حين ينشغل بالحديث فانّه يستهلك جانباً من قواه الفكرية وكذلك جانباً من طاقته البدنية ويحد من تركيزه الفكري والالتفات إلى حملات العدو المبرمجة، ومن هنا فانّ العدو الصامت البعيد عن الضوضاء والضجيج يبدو أخطر من غيره.
ولذلك ورد بشأن معركة بدر أنّ قريش تعجبت من قلّة عدد جيش الإسلام وتصورت أنّ عدد المسلمين أكثر ممّاترى ولعلهم إختفوا خلف التلة حيث يردون ميدان القتال في الوقت المناسب، فبعثوا بعمير بن وهب لينظر أطراف الميدان، فركب فرسه وجعل ينظر حول الصحرا ولم ير شيئاً، فعاد وقال: عدد المسلمين يقارب الثلاثمائة، إلّاأنّي رأيتهم مستعدين للقتال ولا يقوى أحد على مواجهتهم، أمّا ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمذون تلمذ الأفاعي ما لهم ملجأ إلّاسيوفهم وما أراهم يولون حتى يقتلوا ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم [٢].
وقال في الوصيّة السادسة:
«وَرَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُخِلُّوهَا [٣] وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَانِعِينَ الذِّمَارَ [٤] مِنْكُمْ».
[١] فسرّت هذه المفردة سابقاً.
[٢] منتهى الآمال، ج ١، وقائع العام الهجري الثاني.
[٣] «تخلّوا»: من مادة «تخلية» بمعنى الإخلاء والترك، وعليه فالصحيح فتح الخاء لأنّها من باب التفعيل.
[٤] «ذمار»: بكسر الذال ما يلزم الرجل حفظه وحمايته.