نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - القسم الثالث الحذار من وساوس الشيطان
من عهوده المقدّسة، وهو الأمر الذي أكده القرآن الكريم أربع مرّات محذراً من اتّباع الشيطان:
«وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ...» [١].
وقال تعالى: «وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...» [٢].
فان جعل الإنسان غير مكترث للأحكام الإلهيّة وسادت المجتمع الأهواء، آنذاك يستفيد من تضارب المصالح المادية والتعصبات الجاهلية ليدعو الناس إلى الفرقة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...» [٣].
ومن الطبيعي إن اشتعلت نيران الفرقة والاختلاف والنفاق في المجتمع استتبع ذلك ظهور الفتن، وممّا لا شك فيه فانّ دين الأفراد ودنياهم تتحطم بفعل تلك الفتن، ولعل هذا هو الأمر الذي أجراه الشيطان في أحدث معركة صفين، فقد لقنهم الشيطان باديء الأمر أن قبول التحكيم هو أسهل الطرق لبلوغ الصلح والاستقرار، ثم دعاهم للتمرد على أوامر المحكم أميرالمؤمنين علي عليه السلام في مجال الجهاد، آنذاك بث بذور الفرقة والنفاق بين صفوف الجيش حتى انتهى الأمر إلى فتنة عمرو بن العاص وأثرها فتنة الخوارج.
ثم قال الإمام عليه السلام بغية عدم سقوط أصحابه في شباك الشيطان:
«فَاصْدِقُوا [٤] عَنْ نَزَغَاتِهِ [٥] وَنَفَثَاتِهِ [٦]، وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ، وَاعْقِلُوهَا [٧] عَلَى أَنْفُسِكُمْ».
ويصدق هذا الأمر في عصرنا وزماننا، فالشيطان يري طرقه المنحرفة سهلة وبسيطة بادىء الأمر، ويسحب الناس إليه، ثم يسلبهم القيم الإسلامية الواحدة بعد الأخرى، ثم يبث بينهم بذور الفرقة والخلاف، وأخيراً تقود الفرقة إلى اشتعال نيران الفتن السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
[١] سورة البقرة/ ١٦٨.
[٢] سورة البقرة/ ٢٠٨؛ سورة الانعام/ ١٤٢؛ سورة نور/ ٢١.
[٣] سورة المائدة/ ٩١.
[٤] «اصدقوا»: من مادة «صدق» على وزن عطف بمعنى الإعراض.
[٥] نزغات»: جمع «نزغة» على وزن ضربة وساوس.
[٦] «نفثات»: جمع «نفثة» تعني هنا الوسوسة.
[٧] «اعقلوها»: من مادة «عقل» على وزن دغل احبسوها على أنفسكم لا تتركوها فتضيع منكم، والعقلربط رجل الناقة.