نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٦ - القسم الأول الداء وليس الدواء
تخلفت طائفة منكم لاستبدلتها بأخرى (على كل حال لو أطعتموني في مواصلة القتال) وهذا هو الحق الذي ليس بعده إلّاالضلال، لكن من المؤسف إنّكم لم تجيبوني، فبمن استظهر على العدو وبمن أثق؟
«أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى، وَلكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ؟».
فالإمام عليه السلام قد بيّن بهذا الردّ القاطع حقيقة في أنّ نيّتي مواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر، سيّما أننا على أعتاب النصر، وكنت مستعداً لمواصلة هذا الطريق بكل قوّة وعزم، ولذلك نهيتكم عن التحكيم، لكنكم أفراد ضعاف لا إرادة لكم وطغاة عصاة لستم مستعدين للقيام بهذا العمل، وعليه فلم يكن لي من سبيل سوى قبول التحكيم، والحال رجعتم الآن عن رأيكم وسوّلت لكم أنفسكم الاعتراض عليَّ.
ثم أعرب الإمام عليه السلام عن دهشته فقال:
«أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا [١] مَعَهَا!».
فالتشبيه المأخوذ من المثل المعروف تشبيه غاية في الدقة والبلاغة، فعادة ما يخرجون الشوكة التي تغوص في الرجل بإبرة أو منقاش، فان اريد سلّها بشوكة أخرى احتمل أن تغوص الثانية فيالرجل أيضاً، فيزيد الطين بلّة حتى أصبح الأمر بصيغة مثل تعارف عند العرب حيث يقول:
«كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا».
فالمثل يصرب لمن يحكم آخر لرفع الاختلاف بينه وبين شخص آخر والحال يرغب ذلك الفرد بزيادة العداوة والنزاع، فمراد الإمام عليه السلام إنّي اريد أن أدفع بكم عصاة الشام بينما أنتم العصاة الذين يجب تأديبهم، على كل حال، فانّ هذه العبارات التي تفيض معاناة تفيد مدى الوضع العصيب الذي شهده الإمام عليه السلام، فانّ أمرهم بالهجوم ومواصلة القتال خالفوه وقالوا:
عليك بالنزول لحكم القرآن، وإن طرح عليهم قضية التحكيم اعترضوا عليه بالقول: لم تسلّم لمنطق العدو؟ فلكل هواه ورأيه، ولكل فكره ونهجه، بحيث انتهى بهم الأمر إلى إتهام أعظم
[١] «ضلع»: من مادة «ضلع» على وزن سبب بمعنى الميل نحو الشيء، وتعني هنا الشبه والمثل.