نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - القلوب الواعية
فهذه الصفات الأربعة على درجة من القبح والبشاعة بحيث يكفي وجود واحدة منها في فرد لتدعو للنفرة منه والابتعاد عنه، فضلًا عن اجتماعها جميعاً فيه، أي أنّ جلّ همّه الالتفات إلى المعايب والمثالب، بل يعطيها حجماً أكثر من واقعها فهو لا ينفك عن طرحها وتكرارها حتى شعر المقابل باليأس، فلا يرى الحق حتى يولي له ظهراً فتختلط حياته بالمكر والأسى، فكيف لرجل صالح أن يعيش وسط مثل هذه الفئة فضلًا عن الإمام المعصوم عليه السلام الزعيم للخلق والذي ليست أمامه من نتيجة لهذا الوضع المأساوي سوى الحزن والمعاناة، ومن هنا يرجو الإمام عليه السلام مفارقتهم والانفصال عنهم.
ثم أضاف الإمام عليه السلام بأنّه إلى جانب تلك العيوب الشخصية هناك عيب اجتماعي كبير فيهم والذي يتمثل بعدم جدوى كثرة عددهم مع قلّة اجتماع أفكارهم:
«إِنَّهُ لَاغَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتَماعِ قُلُوبِكُمْ».
صحيح أنّ عددكم يبدو كثيراً في الظاهر، ولكن حيث تغيب الوحدة التي ينبغي أن تجمع قلوبكم وتوحدها وحيث ينفرد كل بإرادنه وقراره، فلم يعد هناك من خير يؤمل فيكم، أو بعبارة أخرى فانّ اجتماعكم الموتى وتجمعكم تجمع الوحشة.
ثم إختتم الإمام عليه السلام الخطبة بقوله أنّي قمت بوظيفتي تجاهكم:
«لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْواضِحِ الَّتي لَايَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ».
فالإمام عليه السلام أوضح بهذه العبارة حقيقة مفادها أنّي قلت لكم كل ما ينبغي قوله وأتممت عليكم الحجة وإن تمنيت الخروج عنكم ومفارقتكم فذلك لا يعني أنّي قصرت في مقام بوظيفتي تجاهكم، ولكن لأسف إنّكم لستم بالأفراد للائقين الذين يسعكم الاستفادة من البرامج التربوية التي يطرحها مرشد ربّاني شفيق عليكم.
القلوب الواعية
أورد مؤرخ القرن الثالث المعروف أبو اسحاق الثقفي في كتاب «الغارات» في ذيل هذه الخطبة حين خطب الإمام عليه السلام هذه الخطبة قام
«جارية بن قدامة السعدي»
فقال:
«يا أَمِيرَالمُؤمِنِينَ لاأَعدَمَنا اللَّهُ نَفْسَكَ وَلا أَرانَا فِرَاقَكَ أَنَا لِهؤلاء القَومِ فَسَرِّحنِي إِلَيهِم».