نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - القسم الثاني لولا رجآء الشهادة
تطالعنا هنا ثلاثة أسئلة تطرح نفسها:
الأول: كيف قال الإمام عليه السلام لولا رجائي الشهادة لما مكثت بينكم ولتركتكم، بينما ذكر سابقاً لا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين، فكيف يمكن التوفيق بين هذين الأمرين؟
الثاني أنّ الإمام عليه السلام قد سمع بشارة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله له بالشهادة وكان يعلم أنّه سيقتل على يدى أشقى الآخرين عبدالرحمن بن ملجم، فكيف قال لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو؟
الثالث: كيف يستطيع الإمام عليه السلام التخلي عن إمامته وزعامته ويخرج من الناس؟
وللإجابة على السؤال الأول لابدّ من القول أن نيل فيض الشهادة كان يشكل أحد الأهداف المقدّسة للإمام عليه السلام في بقائه وسط تلك الفئة ولا مانع من أن يكون له أهداف أخرى، حيث بين ائر تلك الأهداف فلم تعد هناك من حاجة لديه لذكرها هنا [١].
ونقول في الردّ على السؤال الثاني إنّ لقاء العدو يشتمل على مفهوم غاية في السعة وإن بدى في الوهلة الاولى يجسد مواجهة الخصم في ساحة المعركة والذي يمثل حزءاً من ذلك اللقاء، ونعلم أنّ شهادة الإمام عليه السلام كانت أحد مصاديق ذلك.
وامّا السؤال الثالث: فيمكن الإجابة عليه بالقول بأنّ ترك فئة فاسدة لا يمكن إصلاحها لا يعني التخلي عن وظائف الإمامة أبداً، بل يمكن للإمام عليه السلام أن يتّجه صوب جماعة أعظم إستعداداً، على غرار ما فعله رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حين هاجر من مكة إلى المدينة.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بذكر الأدلّة التي تدعوه إلى عدم الإرتياح منهم ويبيّن لهم نقاط ضعفهم على أمل الإلتفات إلى أنفسهم فيهموا باصلاحها فقال:
«طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ، حَيَّادِينَ [٢]
رَوَّاغِينَ [٣]».
[١] للأسف وحسب علمنا فانّ شرّاح نهج البلاغة لم يطرقوا هذا البحث ويردوا على هذه الأسئلة، وشذ منهم أحد أعلام القرن السادس هو المرحوم البيهقي الذي أجاب عن السؤال الثالث بأنّ الإمام عليه السلام قال: ذلك بغض النظر عن مقام الإمامة، وإلّا فانّ مقام الإمامة يقتضي من الإمام أن يكون بين الناس مهما كانت الشرائط، وبعبارة أخرى فانّ الإمام عليه السلام قال لولا مقام الإمامة وكنت حراً في هذا الأمر لتركتكم.
[٢] «حيادين»: من مادة «حيد» على وزن حرف بمعنى الانحراف ويقال الحيّاد، لمن ينحرف كثيراً عن جادةالحق.
[٣] «رواغين»: من مادة «روغ» على وزن ذوق بمعنى الذهاب إلى هذا الطرف وذاك وهى كناية عن المكر والحيلة، ومن هنا تستخدم هذه المفردة بشأن الثعلب، فيقال (راغ الثعلب).