نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - القسم الثاني الدنيا كل يوم بلباس
ثم أكّد عليه السلام هذا المعنى بأنّه لم يستشعر هبوب الرياح اللطيفة والأمطار الملائمة حتى يغرق في سبيل من البلاء:
«وَلَمْ تَطُلَّهُ [١] فِيهَا دِيْمَةُ [٢] رَخَاءٍ، إِلَّا هَتَنَتْ [٣] عَلَيْهِ مُزْنَةُ [٤] بَلَاءٍ».
ومن هنا فلا وجه للغرابة والتعجب إذا انتصرت لأحد صباحاً تنكرت له مساءاً، وإن حملت بيد ظرفاً حلواً حملت بأخرى ظرفاً مرّاً:
«وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهَ مُتَنَكّرَةً، وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ [٥] وَاحْلَوْلَى [٦]، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى! [٧]».
نعم، هذه هى طبيعة الدنيا وستكون كذلك، حيث تستحيل حلاوتها مرارة، ونصرها هزمة، وحياتها موتاً، وليست هناك أية قدرة يسعها الحيلولة دون هذه الاستحالة والتغيير.
ثم واصل عليه السلام تأكيد هذه الحقيقة في أنّ الإنسان لا يصيب منها لذّة ونعمة إلّاأتبعته غصّة ورهقة، ودفعت به إلى ما يتعبه من الشدائد والنوائب، فلا يكاد يتمتع بلذّة الأمن حتى يزعجه ألم الخوف والخطر:
«لَايَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا [٨] رَغَباً، إِلَّا أَرْهَقَتْهُ [٩] مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً، وَلَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ، إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ [١٠] خَوْفٍ».
أجل، ليست هناك من فاصلة يؤبه بها في هذه الدنيا لا مكانية ولا زمانية بين السعادة والشقاء، فقد تراه أحياناً جن عليه الليل وقد غرق في لذاته وشهواته وهنيىء عيشه ودعته في هالة من فرحه وسروره، ولم يكد يطلع الصبح عليه حتى تتعالى الأصوت بالنحيب والبكاء تنعى فقده ومفارقته لهذه الدنيا، بل لعله يتجرع كأس المنون من يد أقرب مقربيه:
ثم استمر عليه السلام في الحديث عن غرور الدنيا وزوالها فقال:
«غَرَّارَةٌ، غُرُورٌ مَا فِيهَا، فَانِيَةٌ، فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا، لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى. مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ. وَمَنِ
[١] «تطلّه»: من مادة «طل» على وزن تل المطر الخفيف ويقابله الوابل المطر الشديد.
[٢] «ديمة»: من مادة «دوام» مطر دوم في سكون لا رعد ولا برق معه.
[٣] «هتنت»: من مادة «هتن» على وزن حتم بمعنى إنصبت.
[٤] «مزنة» قطعة من السحاب الممطر.
[٥] «اعذوذب»: من مادة «عذب» الفرات الزلال.
[٦] «احلولي»: من مادة «حلو» الطعم المعروف.
[٧] «أوبي»: من مادة «وبى» المرض والهلكة.
[٨] «غضارة»: من مادة «غضر» على وزن نذر كثرة النعم، وسعة العيش.
[٩] «أرهقت»: من مادة «رهق» على وزن شفق ألبسته بالقوّة والقهر.
[١٠] «قوادم»: جمع «قادمة» الواحدة من الريشات في مقدم جناح الطائر، وهى زلقة عادة.