نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - الثناء على الأصحاب
بينما توالت الخطب التي تعرض بالذمّ لطائفة أخرى من أصحابه، وذلك بعد معركة صفين التي انتهت بفشلهم بفعل اختلاف كلمتهم وضعفهم في عقيدتهم وإرادتهم وعدم طاعتهم وإمتثالهم للأوامر، ولم يكن ذيك سوى في اللحظات الأخيرة التي أوشك النصر فيها علىالتحقق والرسوخ، فذلك الثناء وهذا الذم يفيد أن كل ذلك يتمّ على أساس حساب تخطيط وليس هناك من تناقض في الأمر، كما لم تطلق كلمة في هذا المجال تتعارض والحكمة والمصلحة، الأمر الذي ربّما يلتبس على البعض الذين لا يعلمون بشأن وورد هذه الخطبة.
النقطة الأخرى هى أنّ الإمام عليه السلام عين في هذا الكلام القصير وظيفة الامة تجاه الحكومة، فيجب عليها من جانب الوقوف من أجل استقطاب الأوفياء ودفع الحاقدين، ومن جانب آخر التمعن في كافة الأنشطة السياسية والاجتماعية والعسكرية وإبداء المقترحات النافعة والانتقادات البناءة بهذا الخصوص.
ثم يشير في آخر عبارة من هذه الخطبة إلى نقطة مهمّة وهى مسألة الولاية الإلهيّة، وهو الأمر الذي أكدّه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في خطبة الغدير حيث قال:
«أَلَستُ أَولى بِكُم مِنْ أَنفُسِكُم»
، فردّ المسلمون: بلى يا رسول اللَّه، ثمّ قال صلى الله عليه و آله:
«مَنْ كُنتُ مَولاهُ فَهذا عَلِيٌّ مولُا»
.. هكذا قطع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الأعذار على جميع من يتشبث بالحجج الواهية ويختلق الذرائع ليقول الولي هنا بمعنى الصديق.
والطريف في الأمر أنّ العلّامة الأميني صاحب كتاب الغدير قد نقل العبارة:
«أَلَستُ أَولى بِكُم مِنْ أَنفُسِكُم»
من أربعة وستين محدّثاً ومؤرخاً إسلامياً، وهذا ما يؤكد إتفاق الجميع على هذه العبارة [١]، فالإمام عليه السلام ذكر هذه النقطة في الخطبة وأقسم قائلًا:
«فَواللَّهِ إِنّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ!».
من الواضح أنّ المراد من هذ العبارة هو أنّ أوامر الإمام المعصوم كأوامر اللَّه تبارك وتعالى مقدمة على رغبات الناس، وإن كانت هذه الأوامر تصبّ في طريق مصالح المجتمع ومنافعه.
[١] الغدير ١/ ٣٧١.