نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٢ - القسم الثالث الانتقام الإلهي
لابدّ من الالتفات إلى أنّ «خضرة» وإن كانت بمعنى محصول الحقول والأراضي الزارعية، لكنها هنا تشير إلى كافة الأموال التي نهبها الحجاج والعبارة يذيب شحمتكم كناية عن شدة الضغط الذي يتعرض له الناس فيصبحوا على درجة من الضعف، وكأنّه لم يبق لهم سوى الجلد والعظم، وهذا هو مصير الأفراد الذين يتمردون على القائد الفذ والشفيق الرؤوف بالامة العادل معها كعلي عليه السلام. والمفردة «أيه» بالكسر والتنوين حسب تصريح أغلب أرباب اللغة تستخدم حين يراد تشجيع الشخص على مواصلة الكلام أو العمل وايها بتنوين الفتح تستعمل حين يراد دعوة شخص للسكوت أوالامتناع عن العمل، بالنظر إلى أنّ «ايه» وردت في نسخ نهج البلاغة بتنوين مكسور فالمفهوم ضاعف يا حجاج من ضغوطك على الأفراد الطلحاء وضعفاء الإيمان جاحدي الحق الطغاة الذين يتمردون على إمامهم العادل! وبعبارة أخرى فانّ هذه المفردة كناية في أنّ اولئك الأفراد يستحقون ما يحل بهم من عذاب إلهي، لا يعني ذلك رضى الإمام عليه السلام بأي مقدار من ظلم الحجاج.
فالكلام أشبه بما نقوله لشخص إنّ هذا الدواء وإن كان مرّاً لكنه العلاج الذي يشفيك فلا يصغي لما يقال له، فان اشتدّ ألمه وتعالى صراخه وارتفع صوته نقول له: تألم أكثر! فهذه نتيجة عملك، فمن البديهي أنّ مفهوم ذلك ليس رضانا بألمه ووجعه، بل معناه أنّ تلك هى النتيجة الطبيعية لعدم إمتثاله لأوامر الأطباء والحكماء، وهذا الكلام شبيه ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة ٢٨ حيث قال:
«أَلَا وَإِنَّهُ مَن لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضْرُّهُ الْبَاطِلُ، وَمَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضّلَالُ إِلَى الرَّدَى».
وأمّا وذحة فقد صرحت أغلب المصادر اللغوية من قبيل (لسان العرب، مجمع البحرين، أقرب الموارد)، أنّها تعني الخنفساء، وقال البعض كصاحب القاموس والخليل بن أحمد في كتاب «العين» أنّها تعني بعرة الحيوان بوله الذي يلتصف بصوفه.
وأمّا بشأن انتخاب كنية «أبا وذحة» للحجاج فقد وردت فيها عدّة أراء ذكرتها التواريخ وشروح نهج البلاغة، أنسبها أنّ الحجاج رأى يوماً خنفساء قرب موضع صلاته فدفعها عنه، فأتته ثانية فدفعها، فلما أتته ثالثة أمسكها بيده وعصرها فعضته فورمت يده فأدى به الورم إلى الموت، وكأنّ اللَّه تعالى أراد أن يرى هذا السفّاح مدى قدرته حيث قضى عليه وبواسطة