إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ١٨٣ - «سنة أربع و أربعين و مائة»
الأموال إلا بواحدة من ثلاث: إن قلت أجمعها لولدى فقد أراك اللّه عز و جل عبرا فى الطفل الصغير يسقط من بطن أمه و ماله على الأرض مال- و ما من مال إلا و دونه يد شحيحة تحويه- فما يزال اللّه يلطف بذلك الطفل حتى يعظّم رغبة الناس فيه، و لست بالذى يعطى، بل اللّه يعطى من يشاء ما يشاء، و إن قلت أجمع المال ليشتد سلطانى. فقد أراك اللّه عز و جل عبرا فيمن كان قبلك؛ ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب و الفضة، و ما أعدوا من السلاح و الكراع، و ما ضرك و ولد أبيك ما كنتم فيه من الضعف حين أراد اللّه عز و جل بكم ما أراد، و إن قلت أجمع المال لطلب غاية هى أجسم من الغاية التى أنت فيها، فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح.
يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟ قال: لا. قال: فكيف تصنع مع الملك الذى خولك ما أنت فيه من ملك الدنيا!! و هو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود فى العذاب الأليم، و هو الذى يرى منك ما عقد عليه قلبك و أقرّته جوارحك، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يديك و دعاك إلى الحساب؟ هل يغنى عنك ما كنت فيه شيئا؟
فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته، ثم قال: ليتنى لم أخلق و لم أك شيئا. ثم قال: كيف احتيالى فيما خوّلت، و لم أر من الناس إلا خائنا؟ قال: يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام الراشدين. قال: و أين هم؟/ قال: العلماء. قال: قد فرّوا منى.