إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ١٨٠ - «سنة أربع و أربعين و مائة»
«سنة أربع و أربعين و مائة»
فيها بنى المسجد الذى يقال له مسجد البيعة بقرب العقبة التى هى بحد منى من جهة مكة فى شعب على يسار الذاهب إلى منى بينه و بين العقبة [١] غلوة [٢] أو أكثر.
و فيها حج بالناس أبو جعفر المنصور، و كان لما قدم مكة يخرج من دار الندوة إلى الطواف يطوف فى آخر الليل، و يصلى و لا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة، و جاء المؤذنون يسلمون عليه، و أقيمت الصلاة فيصلى بالناس. فخرج ذات ليلة حين أسحر، فبينما هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم و هو يقول:
اللهم أشكو إليك ظهور البغى و الفساد فى الأرض، و ما يحول بين الحق و أهله من الظلم و الطمع، فأسرع المنصور فى مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد، ثم أرسل إليه فدعاه.
فصلى ركعتين و استلم الركن، و أقبل مع الرسول فسلم عليه، فقال له المنصور: ما هذا الذى سمعتك تقول من ظهور البغى و الفساد فى الأرض، و ما يحول بين الحق و أهله من الظلم و الطمع، فو اللّه لقد حشوت مسامعى ما أمرضنى و أقلقنى. فقال: يا أمير المؤمنين إن أمّنتنى على نفسى أنبأتك بالأمور من أصلها، و إلا أحتجب عنك،
[١] فى الأصول «الكعبة» و المثبت يقتضيه السياق، و انظر هامش أخبار مكة للأزرقى ٢: ٢٠٦، و الجامع اللطيف ٣٣٣.
[٢] الغلوة: رمية سهم (لسان العرب) و تقدر بثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة (المعجم الوسيط).