البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل
فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به (عليه الصلاة و السلام)، و فيه الحكم بإسلام الطائفتين أهل الشام و أهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة و الجهلة الطغام، من تكفيرهم أهل الشام، و فيه أن أصحاب على أدنى الطائفتين إلى الحق، و هذا هو مذهب أهل السنة و الجماعة أن عليا هو المصيب و إن كان معاوية مجتهدا، و هو مأجور إن شاء اللَّه، و لكن على هو الإمام فله أجران كما
ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر»
و سيأتي بيان كيفية قتال على رضى اللَّه عنه للخوارج، و صفة المخدج الّذي أخبر عنه (عليه السلام) فوجد كما أخبر ففرح بذلك على رضى اللَّه عنه و سجد للشكر.
فصل
قد تقدم أن عليا رضى اللَّه عنه لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة، فلما دخلها انعزل عنه طائفة من جيشه، قيل ستة عشر ألفا و قيل اثنى عشر ألفا، و قيل أقل من ذلك، فباينوه و خرجوا عليه و أنكروا أشياء، فبعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة، و لم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم و استمر بعضهم على ضلالهم حتى كان منهم ما سنورده قريبا، و يقال إن عليا رضى اللَّه عنه ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه، و دخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه و تعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و القيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان، و هناك قاتلهم على كما سيأتي. قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع حدثني يحيى بن سليم عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن عبد اللَّه بن عياض بن عمرو القارئ قال:
جاء عبد اللَّه بن شداد فدخل على عائشة و نحن عندها مرجعه من العراق ليالي قبل على، فقالت له:
يا عبد اللَّه بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على، فقال:
و ما لي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فان عليا لما كاتب معاوية و حكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، و أنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه اللّه، و اسم سماك به اللَّه ثم انطلقت فحكمت في دين اللَّه و لا حكم إلا للَّه،
فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه و فارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده و يقول: أيها المصحف! حدث الناس فناداه الناس فقالوا: