البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥ - سنة أربع عشرة من الهجرة النبويّة
هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، و قتل بأجنادين رضى اللَّه عنه* هبار بن سفيان بن عبد الأسود المخزومي ابن أخى أم سلمة. أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة و استشهد يوم أجنادين على الصحيح، و قيل قتل يوم مؤتة و اللَّه أعلم*
هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «ابنا العاص مؤمنان»
و قد أسلم هشام قبل عمرو، و هاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة. ثم هاجر بعد الخندق، و قد أرسله الصديق إلى ملك الروم، و كان من الفرسان.
و قتل بأجنادين، و قيل باليرموك، و الأول أصح و اللَّه أعلم* أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه تقدم و له ترجمة مفردة و للَّه الحمد.
سنة أربع عشرة من الهجرة النبويّة
استهلت هذه السنة و الخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس و يحرضهم على جهاد أهل العراق، و ذلك لما بلغه من قتل أبى عبيد يوم الجسر، و انتظام شمل الفرس، و اجتماع أمرهم على يزدجرد الّذي أقاموه من بيت الملك، و نقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، و نبذهم المواثيق التي كانت عليهم، و آذوا المسلمين و أخرجوا العمال من بين أظهرهم. و قد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير (رحمه اللَّه). و ركب عمر رضى اللَّه عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه و استخلف على المدينة على بن أبى طالب، و استصحب معه عثمان بن عفان و سادات الصحابة.
ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، و نودي ان الصلاة جامعة، و قد أرسل إلى على فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له:
إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، و إني أرى أن تبعث رجلا و ترجع أنت إلى المدينة. فارثا [١] عمرو الناس عند ذلك و استصوبوا رأى ابن عوف. فقال عمر فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال و من هو؟ قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري.
فاستجاد قوله و أرسل إلى سعد فأمره على العراق و أوصاه فقال: يا سعد بن وهيب لا يغرنك من اللَّه أن قيل خال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صاحبه، فإن اللَّه لا يمحو السيّئ بالسيئ، و لكن يمحو السيّئ بالحسن، و إن اللَّه ليس بينه و بين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم و وضيعهم في ذات اللَّه سواء، اللَّه ربهم و هم عباده، يتفاضلون بالعافية و يدركون ما عند اللَّه بالطاعة، فانظر الأمر الّذي رأيت
[١] كذا في الحلبية (بالثاء) و في المصرية هكذا: فارقا. و لعلها فارفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية و القاموس.