البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - ثم دخلت سنة ست و ثلاثين من الهجرة
إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، و طلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، و جهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضى اللَّه عنه، فقال لهما:
مهلا على، حتى انظر في هذا الأمر. و دخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك فقال له: إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت و تركت من شئت، ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك، فعرض ذلك عليّ على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس و غشّك اليوم، فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، و لحقه جماعة منهم طلحة و الزبير: و كانوا قد استأذنوا عليا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار عليّ على باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر، و أن يقر معاوية خصوصا على الشام و قال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان و لا آمن طلحة و الزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك،
فقال على: إني لا أرى هذا و لكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس لعلى: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك و لكن اكتب معى إلى معاوية فمنّه وعده، فقال على: و اللَّه إن هذا ما لا يكون أبدا، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين الحرب خدعة كما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فو اللَّه لئن أطعتنى لأوردنهم بعد صدورهم
و نهى ابن عباس عليا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسّنون إليه الرحيل إلى العراق، و مفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، و طاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار.
قال ابن جرير: و في هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب، فأرسل اللَّه عليه قاصفا من الريح فغرقه اللَّه بحوله و قوته، و من معه، و لم ينج منهم أحد إلا الملك في شر ذمة قليلة من قومه، فلما دخل صقلّيّة عملوا له حماما فدخله فقتلوه فيه، و قالوا: أنت قتلت رجالنا.
ثم دخلت سنة ست و ثلاثين من الهجرة
استهلت هذه السنة و قد تولى أمير المؤمنين على بن أبى طالب الخلافة، و ولى على الأمصار نوابا، فولى عبد اللَّه بن عباس على اليمن، و ولى سمرة بن جندب [١] على البصرة، و عمارة بن شهاب على الكوفة، و قيس بن سعد بن عبادة على مصر، و على الشام سهل بن حنيف بدل معاوية، فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك، و إن كان غيره فارجع. فقال: أو ما سمعتم الّذي
[١] ذكر ابن جرير الطبري أن عليا ولى عثمان بن حنيف على البصرة و سيأتي أنه عثمان ابن حنيف.