البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
الحديث الّذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا و حسدوا من أنعم اللَّه عليه بها، و على الفضيلة التي منّ اللَّه بها، و أرادوا رد الإسلام و الأشياء على أدبارها، و اللَّه بالغ أمره.
ثم قال: ألا إني مرتحل غدا فارتحلوا، و لا يرتحل معى أحد أعان على قتل عثمان بشيء من أمور الناس.
فلما قال هذا اجتمع من رءوسهم جماعة كالأشتر النخعي، و شريح بن أوفى، و عبد اللَّه بن سبإ المعروف بابن السوداء، و سالم بن ثعلبة، و غلاب بن الهيثم، و غيرهم في ألفين و خمسمائة، و ليس فيهم صحابى و للَّه الحمد، فقالوا: ما هذا، الرأى و على و اللَّه أعلم بكتاب اللَّه ممن يطلب قتلة عثمان، و أقرب إلى العمل بذلك، و قد قال ما سمعتم، غدا يجمع عليكم الناس، و إنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم و عددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر: قد عرفنا رأى طلحة و الزبير فينا، و أما رأى على فلم نعرفه إلى اليوم، فان كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فان كان الأمر هكذا ألحقنا عليا بعثمان، فرضى القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء، بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا، فانا يا معشر قتلة عثمان في ألفين و خمسمائة و طلحة و الزبير و أصحابهما في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، و هم إنما يريدونكم، فقال غلاب بن الهيثم دعوهم و ارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذا و اللَّه كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء قبحه اللَّه: يا قوم إن عيركم في خلطة لناس فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب و القتال بين الناس و لا تدعوهم يجتمعون فيمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، و يشغل اللَّه طلحة و الزبير و من معهما عما يحبون، و يأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأى و تفرقوا عليه، و أصبح على مرتحلا و مر بعبد القيس فسار و من معه حتى نزلوا بالزاوية، و سار منها يريد البصرة، و سار طلحة و الزبير و من معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد اللَّه بن زياد، و نزل الناس كل في ناحية. و قد سبق على جيشه و هم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام و الرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين، فأشار بعض الناس على طلحة و الزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة عثمان، فقالا: إن عليا أشار بتسكين هذا الأمر، و قد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك، و قام على في الناس خطيبا، فقام إليه الأعور بن نيار المنقري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال: الإصلاح و إطفاء الثائرة، ليجتمع الناس على الخير، و يلتئم شمل هذه الأمة، قال:
فان لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال فان لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال فهل لهم في هذا الأمر مثل الّذي لنا، قال: نعم! و قال إليه أبو سلام الدالاني فقال هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذه الدم، إن كانوا أرادوا اللَّه في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟ قال: نعم! قال فما حالنا و حالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا و منهم أحد نقى قلبه للَّه إلا أدخله اللَّه الجنة، و قال في خطبته: أيها الناس أمسكوا عن هؤلاء القوم أيديكم