البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٩ - وقعة جلولاء
فانتشلنا خزائن المرء كسرى* * * يوم ولوا و حاص منا جريضا
وقعة جلولاء
لما سار كسرى و هو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا إلى حلوان شرع في أثناء الطريق في جمع رجال و أعوان و جنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، و جم غفير من الفرس و أمر على الجميع مهران، و سار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الّذي جمعه بينه و بين المسلمين في جلولاء، و احتفروا خندقا عظيما حولها، و أقاموا بها في العدد و العدد و آلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك. فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن و يبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرا على الجيش الّذي يبعثه إلى كسرى، و يكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، و على الميمنة سعد بن مالك و على الميسرة أخوه عمر بن مالك، و على الساقة عمرو بن مرة الجهنيّ. ففعل سعد ذلك و بعث مع ابن أخيه جيشا كثيفا يقارب اثنى عشر ألفا، من سادات المسلمين و وجوه المهاجرين و الأنصار، و رءوس العرب. و ذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس و هم يجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، و كانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. و جعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، و كذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. و حمى القتال، و اشتد النزال، و اضطرمت نار الحرب، و قام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحضرهم على القتال و التوكل على اللَّه. و قد تعاقدت الفرس و تعاهدت، و حلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير و هو يوم الفيصل و الفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فنى النشاب من الطرفين، و تقصفت الرماح من هؤلاء و من هؤلاء، و صاروا إلى السيوف و الطبرزينات، و حانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، و ذهبت فرقة المجوس و جاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالّون و هم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم و مجدون في طلبهم، حتى يحكم اللَّه بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل و حمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان و الأبطال و الشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، و أقبل الليل بظلامه و جالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس و جعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل و في الأبطال يومئذ طليحة الأسدي، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و قيس بن مكشوح، و حجر بن عدي. و لم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، و لم يشعروا بذلك، لو لا مناديه ينادى: أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم.
فلما سمع ذلك المجوس فروا و حمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه