البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - الحديث الثاني عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه
فقلنا: إنا لم نجده، فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو هذا؟
فقال على: اللَّه أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك، فقال على: ابن من؟
و قال عبد اللَّه بن أحمد أيضا: حدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه قال: كنا عائدين إلى الكوفة مع على فذكر حديث المخدج قال على: «فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت ثلاثا، ثم قال على: أما أن خليلي أخبرنى بثلاثة إخوة من الجن هذا أكبرهم و الثاني له جمع كثير، و الثالث فيه ضعف»
و هذا السياق فيه غرابة جدا. و قد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الانس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق و اللَّه تعالى أعلم. و المقصود أن هذه طرق متواترة عن على إذ قد روى من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ و إن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة و لكن معناها و أصلها الّذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه عن على أنه رواه عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه أخبر عن صفة الخوارج و ذي الثدية الّذي هو علامة عليهم. و قد روى ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير على كما تراها بأسانيدها و ألفاظها و باللَّه المستعان. و قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، و جابر بن عبد اللَّه، و رافع بن عمرو الغفاريّ، و سعد بن أبى وقاص، و أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، و سهل بن حنيف، و عبد اللَّه بن عباس، و عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن عمرو، و عبد اللَّه ابن مسعود، و على، و أبو ذر، و عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهم أجمعين.
و قد قدمنا حديث على بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة و أحد العشرة و صاحب القصة. و لنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج.
الحديث الثاني عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن ذر عن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث- أو حدثاء- الأسنان، يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فان في قتلهم أجرا عظيما عند اللَّه لمن قتلهم» و قد رواه الترمذي عن أبى كريب و أخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة و عبد اللَّه بن عامر بن ذرارة ثلاثتهم عن أبى بكر بن عياش به،
و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد.