البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - رفع أهل الشام المصاحف
وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و لم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة و هم كذلك و صلى الناس الصبح إيماء و هم في القتال حتى تضاحى النهار و توجه النصر لأهل العراق على أهل الشام، و ذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة، فحمل بمن فيها على أهل الشام و تبعه عليّ فتنقضت غالب صفوفهم و كادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح: و قالوا، هذا بيننا و بينكم قد فنى الناس فمن للثغور؟ و من لجهاد المشركين و الكفار.
و ذكر ابن جرير و غيره من أهل التاريخ أن الّذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص، و ذلك لما رأى، أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال و أن يتأخر الأمر فان كلا من الفريقين صابر للآخر، و الناس يتفانون. فقال إلى معاوية: إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعا و لا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف و ندعوهم إليها، فان أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال، و إن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، و قائل لا نجيبهم، فشلوا و ذهب ريحهم، و قال الامام أحمد، حدثنا يعلى بن عبيد عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت. قال أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على بالنهروان فيما استجابوا له و فيما فارقوه، و فيما استحل قتالهم فقال: كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى على بمصحف فأدعه إلى كتاب اللَّه فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال: بيننا و بينكم كتاب اللَّه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ... يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ بعد ذلك وَ هُمْ مُعْرِضُونَ فقال على: نعم! أنا أولى بذلك بيننا و بينكم كتاب اللَّه قال فجاءته الخوارج و نحن ندعوهم يومئذ القراء و سيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم سيوفنا حتى بحكم اللَّه بيننا و بينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبيّة- يعنى الصلح الّذي كان بين رسول اللَّه و بين المشركين- و لو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه أ لسنا على حق و هم على باطل؟
و ذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه.
رفع أهل الشام المصاحف
فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق: نجيب إلى كتاب اللَّه و ننيب إليه. قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليا قال: عباد اللَّه أمضوا إلى حقكم و صدقكم و قتال عدوكم، فان معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبى معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبى سرح و الضحاك ابن قيس ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، و صحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال و شر رجال، ويحكم و اللَّه إنهم ما رفعوها إنهم يقرءونها و لا يعملون بما فيها و ما