البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
تمالئوا عليه و تصدوا إليه، و أنه قد اجتمع منهم مائة و خمسون ألفا. و جاء كتاب عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبديّ بأنهم قد اجتمعوا و هم متحرفون متذامرون على الإسلام و أهله، و أن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هموا به و عزموا عليه من المسير إلى بلادنا. فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك؟ قال: قريب. قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر. فتفاءل عمر بذلك و قال: ظفر قريب. ثم أمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و كان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبى وقاص، فتفاءل عمر أيضا بسعد، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا و إني قد هممت بأمر فاسمعوا و أجيبوا و أوجزوا و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح اللَّه عليهم. فقام عثمان و على و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأى، فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن و أجاد، و اتفق رأيهم على أن لا يسير من المدينة، و لكن يبعث البعوث و يحصرهم برأيه و دعائه. و كان من كلام على رضى اللَّه عنه أن قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا قلة، هو دينه الّذي أظهر، و جنده الّذي أعزه و أمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ. فنحن على موعود من اللَّه و اللَّه منجز وعده، و ناصر جنده، و مكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه و يمسكه، فإذا انحل تفرق ما فيه و ذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. و العرب اليوم و إن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم مكانك و اكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب و رؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان و يقيم الثلث، و اكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا.- و كان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن و الشام. و وافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة و الكوفة- فرد عليّ على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة و الكوفة كما تقدم، و رد رأى عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم. و من أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة. فأعجب عمر قول على و سر به- و كان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتى يشاور العباس- فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال:
يا أمير المؤمنين خفض عليك، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم. ثم قال عمر: أشيروا على بمن أوليه أمر الحرب و ليكن عراقيا. فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين. فقال: أما و اللَّه لأولين رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا. قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مقرن.
فقالوا: هو لها- و كان النعمان قد كتب إلى عمرو هو على كسكر و سأله أن يعزله عنها و يوليه قتال أهل نهاوند- فلهذا أجابه إلى ذلك و عينه له، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود