البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - فصل في غزوة القادسية
ما سن لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك و أمرهم و اختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أ سيدهم أنت؟ قال! لا: و لكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز و أرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا معاذ اللَّه أن تميل إلى شيء من هذا و تدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، و انظروا إلى الرأى و الكلام و السيرة. إن العرب يستخفون بالثياب و المأكل، و يصونون الأحساب. ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي. و في اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل. قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل.
فقال من يوصلني إليه و له درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، و جعل يقول من يخلصني و له أربعة دراهم؟ و مثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، و استعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا و أقسم بالشمس لأقتلنكم غدا [. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة.
و لأميركم بألف دينار و كسوة و مركوب و تنصرفون عنا. فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم و ضعفنا عزكم، و لنا مدة نحو بلادكم و نأخذ الجزية منكم عن يد و أنتم صاغرون و ستصيرون لنا عبيدا على رغمكم؟ فلما قال ذلك استشاط غضبا.] [١]
و قال ابن جرير حدثني محمد بن عبد اللَّه بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن. قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية و معه الناس قال لا أدرى لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، و المشركون ثلاثون ألفا و نحو ذلك، فقالوا لا يد لكم و لا قوة و لا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا و يقولون دوك دوك و شبهونا بالمغازل. فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم. فقال المغيرة بن شعبة، أنا: فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا و صاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة و لم ينقص صاحبكم. فقال رستم: صدق، ما جاء بكم؟
فقال: إنا كنا قوما في شر و ضلالة، فبعث اللَّه إلينا نبيا فهدانا اللَّه به و رزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها و أطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة. فقال رستم إذا نقتلكم. قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، و إن
[١] ما بين القوسين المربعين زيادة في النسخة الحلبية.