البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - ثم دخلت سنة ست عشرة
و قيل سنة عشرين و اللَّه أعلم، توفى بالمدينة و صلى عليه عمر و مشى في جنازته و دفن بالبقيع و خلف عدة أولاد فضلاء و أكابر* هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم و قال ابن سعد: قتل يوم اليرموك.
ثم دخلت سنة ست عشرة
استهلت هذه السنة و سعد بن أبى وقاص منازل مدينة نهر شير، و هي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، و كان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، و استهلت هذه السنة و هو نازل عندها. و قد بعث السرايا و الخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم و هو مقيم ببلده فهو أمانه، و من هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. و لم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية و الخراج، و امتنعت نهر شير من سعد أشد الامتناع، و قد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى اللَّه عز و جل أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة و العصيان، و نصبوا المجانيق و الدبابات، و أمر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقا، و نصبت على نهر شير، و اشتد الحصار و كان أهل نهر شير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا و يحلفون أن لا يفروا أبدا، فأكذبهم اللَّه و هزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم و قتل بعد مصابه كثيرا من الفرس و فروا بين يديه و لجئوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، و قد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب و السنانير و قد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، و لكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم؟ لا أشبع اللَّه بطونكم.
قال: فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن الأسود بن قطبة فأنطقه اللَّه بكلام لم يدر ما قال لهم، فقال:
فرجع الرج و رأيناهم يقطعون من نهر شير إلى المدائن. فقال الناس لأبى مقرن: ما قلت لهم؟ فقال:
و الّذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما قلت لهم إلا أن على سكينة و أنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، و جعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، و كان فيمن سأله سعد بن أبى وقاص، و جاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مقرن ما قلت؟ فو اللَّه إنهم هراب. فحلف له أنه لا يدرى ما قال. فنادى سعد في الناس و نهد بهم إلى البلد و المجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمناه، فقال و اللَّه ما بالبلد أحد، فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحدا إلا قد هربوا إلى المدائن. و ذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل و أناسا من الأسارى فيها لأى شيء هربوا؟ قالوا بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم و بينه صلح أبدا حتى نأكل